برزت في الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية وأكبر مدنها، خلال الأعوام الأخيرة، مبادرات شبابية صديقة للبيئة، تهدف إلى إعادة تدوير النفايات، وتحويلها إلى سلع قيِّمة، في محاولة للحد من التأثيرات السلبية لتراكم النفايات؛ والبلاستيكية منها بشكل خاص.

والدار البيضاء، الواقعة وسط غرب البلاد، أكبر مدن المغرب إنتاجًا للنفايات، ومقابل الكم الكبير من النفايات والمخلفات، تأتي أهمية المبادرات الرامية إلى إعادة تدويرها؛ ومنها مبادرة «كون» التي أسستها ماربن بوينتيلارت، في العام 2017.

وتضم مؤسسة كون، ثلاث ورش لإعادة تدوير نفايات البلاستيك والورق والنسيج، تستقبل كل يوم من 15 إلى 40 كيلوجرامًا من النفايات، وتوفر فرص عمل لشباب ونساء في الدار البيضاء، ممن يحولون النفايات إلى سلع مفيدة بتصاميم معاصرة، تُباع في المتجر التابع للمؤسسة أو من خلال البيع الإلكتروني على شبكة الإنترنت.

وذكرت وكالة سي جي تي إن الصينية، إن «مؤسسة كون فككت بالفعل 22 ألف كيلوجرام من النفايات في الأعوام الأخيرة وكمية الإنتاج مستمرة في الزيادة.» ونقلت عن بوينتيلارت أن «إعادة التدوير أمر ضروري، والأهالي يبدون رغبة في جمع وفرز النفايات. وتعطي إعادة التدوير لهذه المواد قيمة مضافة حقيقية. إذ أننا لا ننظر إلى هذه المواد الخام على أنها نفايات، بل نعطيها حياة أخرى وشكلًا جديدًا ولونًا جديدًا، وهكذا تبقى ولا تضيع.»

وفي هذا الإطار؛ أطلقت الدار البيضاء أيضًا، مركز فرز وإعادة تدوير النفايات، الذي يستقبل يوميًا نحو 10 أطنان من النفايات المُفرَزة؛ منها ما يُعاد تدويره ليكون صالحًا لاستعمالات جديدة، ومنها ما يُصدَّر إلى دول أخرى.

ونقلت قناة الحرة، عن عبد الحق الضاف، مدير مركز فرز وإعادة تدوير النفايات في الدار البيضاء، أن «المركز يعمل على تخفيض الانبعاثات الغازية الملوثة للبيئة. ويبقى مستقبل قطاع النفايات في المغرب رهينًا بنجاح عملية الفرز التي تخفف الضغط على مكبات النفايات الكبيرة، وتوفر فرص عمل لممتهني جمع النفايات عشوائيًا.»

واحتوى المركز الجديد نحو 60 جامع نفايات عشوائي، تحولوا إلى موظفين في المركز يعملون على جمع النفايات بشكل منتظم، ويبقى الأمل معقودًا على إطلاق مبادرات أخرى مشابهة، لاستيعاب كميات النفايات الضخمة التي تنتجها مدينة كبيرة كالدار البيضاء؛ ويرى إعلاميون أن مثل تلك المبادرات بحاجة إلى حاضنة شعبية وتدَخُّل من الأهالي لفرز النفايات قبل إلقائها في الحاويات لتفادي أضرارها على البيئة؛ ولتحفيز المجتمع الأهلي، نشر المركز أكشاكًا صديقة للبيئة في الشوارع تحمل عبارات محفزة على المشاركة والانخراط في تحمل المسؤولية تجاه البيئة.

ومن الشركات الرائدة في إعادة تدوير البلاستيك في المغرب، شركة إس إم آر آر المغربية السعودية، التي تُدوِّر 60% من البلاستيك في المملكة، وفقًا للقناة الأولى المغربية؛ وقال الهاردوزي عبد اللطيف، المدير العام للشركة، إن «عملية فرز البلاستيك تبدأ وفقًا للألوان، ثم تُكبَس في مكعبات بأوزان وألوان محددة، وشركتنا تُصدِّر حاليًا 51% من المنتوج.»

وتطمح الحكومة المغربية إلى الوصول لمرحلة فرز 20% من النفايات بحلول العام 2020، وتفيد تقارير محلية أن كمية النفايات في عموم المغرب تصل إلى 5 ملايين طن سنويًا، كانت تُجمَّع في مكبات عشوائية، قبل انطلاق البرنامج الوطني لتدوير النفايات، ووصل عدد المكبات العشوائية في المغرب قبل العام 2015 إلى 220 مكبًا.

ونقلت القناة الأولى المغربية، عن شلبي مهدي، مُكلَّف البرنامج الوطني لتدوير النفايات بوزارة البيئة، أن «البرنامج الوطني يسعى لتحقيق جملة من الأهداف؛ هي التخلص من المكبات العشوائية بحلول العام 2020، واستبدالها بمكبات مُراقَبة في جميع مدن المغرب، وتطوير عمليات فرز وتدوير النفايات. قطع برنامجنا المدعوم من البنك الدولي أشواطًا مهمة، متجاوزًا مجموعة من العوائق؛ منها إيجاد أماكن مناسبة للمكبات الخاضعة للرقابة، وعائق التخلص من عصارة إعادة التدوير، فضلًا عن إشكالية تطوير بيئة العمل للعاملين في القطاع، وفق ظروف مناسبة.»

تهديد

وتسبب البشر في الأعوام الأخيرة بأضرار كبيرة على البيئة ونُظُمِها، يتعذر إصلاحها بسبب فقدانها السيطرة على النفايات البلاستيكية. وعلى الرغم من أن الوضع الحالي صعب لكن يمكن مواجهته، وفقًا لما ذكرته ليزا سيفنسون مديرة شؤون المحيطات في الأمم المتحدة التي تؤمن أن تعاون الحكومات والشركات والأفراد على مستوى العالم لتقليل التلوث الناتج عن النفايات البلاستيكية سيحافظ على حياة الكائنات.

وقالت سيفنسون إن «هذه أزمة كبيرة على مستوى الكوكب.» وليست سيفنسون وحدها من تشعر بالخطر، بل يؤيدها غالبية الخبراء والمتخصصين، ممن يطالبون في كل مناسبة بتطبيق إجراءات دولية أكثر صرامة تجاه التلوث الناتج عن النفايات البلاستيكية.

اهتمام عالمي

ويتزايد الاهتمام العالمي بتنفيذ مشاريع وابتكارات تهدف للحد من استخدام البلاستيك المنتشر بكثافة في مكبات النفايات والغابات والصحارى والمحيطات وبكميات هائلة من النفايات المصنعة من النفط الخام التي تستغرق قرونًا عدة لتتحلل.

وتشير تقارير عالمية إلى أن التغييرات البسيطة في سياسة استخدام البلاستيك، من شأنها إحداث فارق كبير لصالح البيئة في المحصلة، وأدى حظر الأكياس البلاستيكية في أكبر سلسلتين من المتاجر في أستراليا مثلًا، منتصف العام الماضي، إلى انخفاض الاستهلاك الإجمالي للبلاد من الأكياس البلاستيكية بنسبة 80%.

وصوت الاتحاد الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول 2018 على قرار حظر البلاستيك المُستخدَم لمرة واحدة بشكل نهائي بحلول العام 2021، ويبقى القانون بحاجة إلى إقرار الدول الأعضاء والموافقة عليه.

ولم يقتصر الحظر على الدول المتقدمة، إذ فرضت الهند عام 2017، حظرًا على استخدام البلاستيك المُستخدَم لمرة واحدة في العاصمة نيودلهي. وأصدرت كينيا عام 2017، أحد أكثر القوانين صرامة في العالم، بحظر استخدام أكياس البلاستيك التي تحولت إلى وباء في البلاد، لتصل عقوبة انتهاك القانون إلى 38 ألف دولار وسجن يصل إلى أربعة أعوام. ويشمل الحظر استخدام أو استيراد أو تصنيع الأكياس البلاستيكية.

ويستهلك البشر نحو 78 مليون طن من المواد البلاستيكية، وتنتهي نسبة 32% منها في مياهنا، بما يعادل شاحنة نفايات كاملة خلال كل دقيقة، ووفقًا لدراسة علمية نُشِرت عام 2017 في مجلة ساينس، فإن كمية البلاستيك المُستهلك في الهند، التي يتم التخلص منها برميها في مياه المحيطات، جعلت البلاد في المرتبة 12 من بين 192 بلدًا شملته الدراسة في العام 2010. وحازت الصين على المرتبة الأولى في القائمة ذاتها، بينما صُنِّفت الولايات المتحدة في المرتبة العشرين.

وذكرت دراسة أخرى، نُشِرت في العام ذاته، إن 75% من شواطئ بريطانيا ملوثة بنفايات بلاستيكية قاتلة، وينشغل باحثون ومؤسسات حاليًا في محاولة إيجاد حل ناجح للقضاء على كتلة نفايات ضخمة بحجم ولاية تكساس في المحيط الهادئ، ولم تثمر جهودهم حتى الآن. ويبقى الأمل معقودًا على إيجاد الباحثين لحلول إبداعية؛ ومنها الطرقات البلاستيكية المعاد تدويرها واليرقات آكلة البلاستيك، وغيرها من الابتكارات والأبحاث الطموحة.