كل شيء حول ماري كوري يبدو استثنائياً. فمثلاً كم من الأشخاص سيخطر ببالك عندما تفكر بشخص استحق أربعة أفراد من عائلته الصغيرة الفوز بجوائز نوبل؟ ماري كوري هي ذلك الشخص! حيث استطاع كل من ماري، زوجها (بيير)، ابنتها (إيرين)، وصهرها (فريدريك) الفوز بهذه الجائزة. بل وأكثر من ذلك، كم من العلماء تستطيع ذكره وقد حصل على هذه الجائزة رفيعة المستوى مرتين وفي مجالين مختلفين من العلوم؟ مرة أخرى إنها ماري! حيث استحقت جائزة نوبل في الفيزياء أول مرة عام 1930, لتحصل على الجائزة الثانية في الكيمياء عام 1911.

ماري كوري هي أول امرأة في تاريخ العلم تحصل على جائزة نوبل، وأول امرأة في أوروبا حاصلة على درجة دكتوراه في البحث العلمي، كما أنها تعتبر أول أنثى تتبوأ منصب أستاذة ومحاضرة جامعية في جامعة السوربون في باريس. حيث أن اكتشافاتها في مجال الاشعاع (وإليها ينسب هذا المصطلح) أحدثت تغيراً في العالم. ولا زالت ماري كوري حتى الأن تعتبر أكثر العلماء الإناث شهرة على مستوى العالم.

حياة ماري كوري العظيمة:

marie-curie-as-a-child

كلما قرأتُ أكثر عن حياة وأعمال ماري كوري، كلما ازدادت قناعتي وأدركت مدى الغني الاستثنائي الذي كانت تتمتع به كل من حياتها الشخصية ومساهماتها العلمية. فقد اضطرت إلى مواجهة وتخطي العديد من المعيقات الهائلة والرفض المذل لها فقط لكونها أنثى. ولكن هذا خلق منها وبشكل جلي امرأة قوية وأكثر تصميماً على النجاح. فلا أستطيع عندما أفكر بموهبة ماري وقدرتها على التحمل، إلا أن أتذكر المقارنة الطريفة التي يحملها القول المقتبس " تذكر بأن جنجر روجرز استطاعت القيام بكل ما قام به فريد أستير، إلا أنها نفذته بطريقة عكسية وبالكعب العالي". فماري كوري قامت بكل ما أنجزته جنجر روجرز، ولكن إنجازها هذا كان في مجال العلم الذي يحكمه الذكور بشكل أكبر.

ولدت ماري كوري باسم ماريا سالومي سكلودوفسكا في 7 نوفمبر من العام 1867 في وارسو، القسم الروسي من بولندا (حيث تقاسمت بولندا في ذاك الوقت كل من الإمبراطورية الروسية ومملكة بوروسيا والنمسا). كان والدها فلاديسلاف سكلودوفيسكا معلماً للفيزياء والرياضيات في مدرسة ثانوية وورثت مانيا (كما كان يُطلق عليها كنوع من الدلال) ولعها بالعلم منه. بينما كانت والدتها، برونيسلفانا بوغوسكا سكلودوفسكي، تدير مدرسة داخلية رفيعة المستوى للفتيات، إلا أنها كانت تعاني من الدرن الذي أودى بحياتها في الوقت الذي لاتزال فيه ماري صغيرة جداً. لسوء الحظ، خسرت العائلة كافة أملاكها وثروتها إثر انغماسها بالعمل الوطني في الثورة البولندية التي ناهضت لأجل استعادة استقلال بولندا، وهذا ما جعلها وإخوتها (حيث كانت الابنة الأصغر من بين خمسة إخوة) تعاني من صعوبات جسيمة على المستوى المادي والاجتماعي.

مشوارها العلمي:

عند بلوغها العاشرة من العمر، التحقت ماري بالمدرسة الداخلية (جي-سيرورسكا) ومن ثم أصبحت عضواً بصالة الألعاب الرياضية "جيمنازيوم"، حيث تخرجت في عام 1883 بعد أن استحقت الميدالية الذهبية والتي تعتبر أعلى درجات الشرف. ولكن ورغم كل ما حققته من إنجازات أكاديمية رفيعة، إلا أنها لم تتمكن من الالتحاق بأي معهد دراسات عليا بسبب كونها أنثى. مما دفعها وأختها، بونيا، التي كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، للالتحاق بمدرسة سرية غير رسمية كانت تسمى ب "المدرسة العائمة"، حيث شكلت ملتقى غير قانوني للطلاب الراغبين بالدراسة (كان يتوجب تغير مكان هذه المدرسة الليلية السرية بشكل دائم، ومن هذا المنطلق اكتسبت اسمها الشهير، "المدرسة العائمة"). ورغماً عن السلطات الروسية، قامت هذه المدرسة بفتح أبوابها للطلبة الاناث وتدريس منهاج ذو طابع بولندي محض.

سرعان ما أدركت ماريا أن هذا النوع من الدراسة الغير قانونية لا ترتقي لمستوى طموحها العلمي مما دفعها إلى عقد اتفاق مع أختها برونيا: حيث قررت العمل في التدريس الخاص لكسب المال الكاف لإرسال برونيا إلى الدراسة في الجامعة في باريس، فرنسا، المكان الذي كان محط جذب لكثير من البولنديين الراغبين بالدراسة. على أن تتبادل الأدوار مع أختها فيما بعد. وبهذا ستتمكن الأختان من تحصيل درجات علمية متقدمة ومتابعة العمل لاحقاً كل في المهنة التي اختارتها.

لأجل كسب المال، عملت ماريا كمربية لدى عائلة تسورافسكي بالقرب من وارسو. وهناك وقعت في حب الابن الأكبر، كازيمير تسورافسكي الذي أصبح فيما بعد من كبار علماء الرياضيات وتبوء منصب بروفسور في جامعة كراكوفيا, إلا أن عائلته رفضت فكرة زواجه من المربية المعدمة مادياً, ومع أن هذه التجربة جعلت منها انسانة مكسورة القلب, إلا أنها تابعت عملها وفي خريف عام 1891 استقلت القطار ولحقت بأختها و زوجها إلى باريس ( كانت برونيا قد تزوجت دكتور من أصول بولندية) وكانت ماريا أنداك قد بلغت الرابعة والعشرين من العمر.

في باريس، أطلقت ماريا على نفسها اسم ماري، اللفظ الفرنسي لاسمها الأصلي، كما التحقت بجامعة السوربون وغادرت شقة أختها إلى حجرة بسيطة أقرب إلى الجامعة حيث أمضت معظم وقتها في مكتبة الجامعة كي توفر على نفسها عناء العودة إلى شقتها المتجمدة. عانت من فقر شديد إلى درجة أنها كانت تقتات على الفجل والخبز، وغالباً ما أغمى عليها من شدة الجوع. ورغم ظروفها الصعبة وعملها المستمر، إلا أنها كانت على قائمة الخريحين الأوائل في دفعتها الدراسية لعام 1893، وتخرجت بدرجة ماجستير بالفيزياء ومن ثم حصلت على منحة دراسية استحقت إثرها على درجة علمية بالرياضيات عام 1894.

حب حياتها:

B18

بدأت عملها بعد التخرج بإجراء أبحاث حول الخواص المغناطيسية لأنواع مختلفة من المعادن (قامت شركة صناعية بتمويل هذا المشروع) وهناك قابلت زوجها المستقبلي، شريكها بمشروعها العلمي وتوأم روحها، بيير كوري. كان بيير أكبر بعشر سنوات وكان يشغل منصب مرموق كمحاضر ومدير مختبر في مدرسة الفيزياء والكيمياء. لم يلبثا أن وقعا بالحب وعرض بيير عليها الزواج. لكن ماري لم تستطع قبول عرضه فوراً فأحلامها بالعودة إلى بولندا وممارسة أبحاثها العلمية هناك لا تزال تلاحقها. إلا أن خيبة الأمل كانت بانتظارها حيث رفضت جامعة كراكوفيا طلبها بالالتحاق للدراسة فقط لكونها امرأة. كان بيير يحبها كثيراً لدرجة أنه كلن مستعد للتخلي عن عمله والسفر إلى بولندا, ولم يتوقف عن كتابة رسائل الحب لها إلى أن عادت إلى فرنسا عام 1895. حيث عقدا قرانهما في 26 تموز عام 1895.

ارتدت ماري في حفل زفافها بدلة ذات لون أزرق داكن استخدمتها فيما بعد كرداء مناسب للمخبر لسنوات عديدة. أمضت وبيير شهر عسلهما في رحلة على الدراجات حول الريف الفرنسي.

أنجبت ماري طفلتها الأولى , إيرين, عام 1897, ولكنها كانت أبعد ما تكون عن فكرة الحياة التقليدية التي تعيشها أي فتاة كزوجة وأم ولذا عقدت العزم على متابعة تحصيلها العلمي والحصول على درجة دكتوراه ( وهي رتبة لم تكن معروفة أبداً في تلك الأيام) مما اضطرها للبحث عن موضوع جديد للبحث والدراسة.
شكلت أعمال الفيزيائي هنري بيكريل مصدر إلهام لماري مما دفعها لاتخاذ البحث في اشعاعات اليورانيوم موضوعاً محتملاً لدراستها البحثية. حيث اكتشف هنري بيكريل عام 1896 أن أملاح اليورانيوم تنبعث منها اشعاعات تشبه الأشعة السينية في خواصها وأن هذا الاشعاع ينتج تلقائياً دون الحاجة لمصدر خارجي من الطاقة (كالضوء مثلاً) لتحفيز النشاط الاشعاعي. قررت ماري التركيز في دراستها على مصدر هذه الاشعاعات الغامضة التي تنبعث من اليورانيوم وأجرت أبحاثها في غرفة صغيرة من الخشب، سيئة التهوية وتنفذ إليها مياه الأمطار. حيث استطاعت في غضون شهرين أن تحقق اكتشافاً عظيماً ينص على أن الاشعاع لا ينتج عن التفاعل الحاصل بين الجزيئات، بل يأتي من الذرة نفسها. هذه كانت الخطوة الأولى في طريق دحض الافتراض القديم القائل بأن الذرات غير قابلة للانقسام.

اكتشاف الاشعاع:

بدأت سوياً مع زوجها العمل البحثي باستخدام تقنيات الكهرباء الانضغاطية-الكهرو ضغطية (piezoelectric) المطورة من قبل بيير نفسه وذلك للبحث في اثنين من خامات اليورانيوم وهما البتشبلند و التوربرنايت حيث استخدم الزوجان جهاز يسمى الالكترومتر، المبتكر من قبل بيير وأخوه جاك، وذلك لإثبات أن خام البتشبلند أكثر نشاطاً من اليورانيوم بأربعة أضعاف والتوربرنايت أنشط بضعفين. دفعتها هذه الاكتشافات للبحث عن مواد أخرى تنبعث منها الاشعاعات حيث اكتشفت أن الثوريوم أيضاً هو عنصر مشع. أعلنت ماري في تموز من العام 1898 عن اكتشاف لعنصر جديد أطلقا عليه اسم "البولونيوم" تكريماً لبلدها الأصلية بولندا. وبعد أشهر قليلة، أعلن الزوجان عن اكتشاف عنصر جديد أخر تحت اسم " الراديوم" (وهذا الاسم مشتق من الكلمة البولندية التي تعني سعادة "radosc")

استغرق الزوجان أربعة أشهر إضافية قبل أن يتمكنا من عزل كمية كافية من عنصر الراديوم لإثبات أن العنصر موجود فعلاً وأن وزنهnobel-1911-400 الذري مختلف عن وزن بقية العناصر. في عام 1913 تقاسمت وزوجها بيير مع العالم هنري بيكريل جائزة نوبل في الفيزياء عن اكتشافهم للمواد ذات النشاط الاشعاعي (رغم أن اللجنة المانحة للجائزة أرادت في بداية الأمر أن تقتصر في ترشيحيها على كل من بيير وهنري لعملهما العلمي، إلا أن بيير أصر على إدراج ماري في قائمة الأسماء المرشحة للجائزة)

وفي نفس السنة تم منحها درجة الدكتوراه من جامعة باريس وتم دعوة الزوجان إلى المعهد الملكي في لندن للأدلاء بتصريح حول النشاط الاشعاعي، إلا أن ماري منعت من الحديث لكونها امرأة وسمح لبيير وحده بالتحدث.

خسارة عظيمة:

أنجبت ماري طفلتها الثانية، إيف، في كانون الأول من العام 1904 (وكانت قد خسرت جنينها عام 1903 بسبب ولادته قبل أوانه). في هذه الأثناء بدأت صناعة جديدة بالظهور استناداً على اكتشاف الزوجين للراديوم، ونظراً لكونهما لم يسجلا براءة اختراع لهذا الاكتشاف (لأنهما يؤمنان بأن البحث العلمي يجب أن يكون متاحاً للجميع دون أية عوائق)، فلم يحققا أي ربح مادي من هذه المشاريع الربحية. عزمت الحكومة الفرنسية على تكريم الزوجان كوري بمنح بيير منصب الأستاذية بالفيزياء في جامعة السوربون إضافة إلى توفير مختبر جديد لعائلة كوري مجهز للقيام بأبحاثهما المشتركة مستقبلاً.

ولكن ولسوء الحظ، لم يكتب لهذا النجاح، حيث توفي بيير كوري على إثر حادث سيارة. وهذا ما أدى إلى انهيار ماري. عرضت الحكومة الفرنسية بعد حادثة الوفاة على ماري راتباً شهرياً إلا أنها رفضته وقبلت عوضاً عن ذلك منصب الاستاذية في الفيزياء في جامعة السوربون، مما جعلها أول عضوه من النساء في الهيئة التدريسية الجامعية.

كانت الأحداث التالية في حياة ماري مليئة بالأوقات العصيبة والاضطرابات العاطفية خاصة بعد أن رفضت الأكاديمية الفرنسية للتكنولوجية طلبها بالترشح لعضويتها بسبب كونها "أجنبية". كما تعرضت ماري لفضيحة صحفية بشعة تناولت علاقة الحب التي جمعتها مع بول لانجفان، الفيزيائي والصديق، وكانت ماري في بلجيكا غداة انتشار هذه الفضيحة حيث فوجئت عند عودتها بحشود غاضبة اجتمعت أمام منزلها مما اضطرها للجوء إلى منزل أحد الأصدقاء.

ورغم كل هذه الصعوبات، تابعت ماري كوري أبحاثها العلمية في عزل عنصري البولونيوم والراديوم بحالتهما النقية، وقامت بالبحث عن استخدامات طبية ممكنة لعنصر الراديوم. وفي عام 1911, تم منحها لجائزة نوبل الثانية, ولكن هذه المرة في الكيمياء. لم يكد يمض شهر حتى أصبحت ماري سكينة الاكتئاب واضطرابات في وظائف الكلية. فاعتزلت الحياة العامة لتعود إلى مخبرها مرة أخرى بعد مرور 14 شهر. طلبت الحكومة الفرنسية من مواطنيها خلال الحرب العالمية الأولى التبرع بمقتنياتهم الذهبية والفضية لدعم المجهود الحربي، فقامت ماري بالتبرع بكافة الميداليات التي حصلت عليها بما في ذلك جائزتي نوبل ولكن الحكومة الفرنسية رفضت قبول مثل هذه الممتلكات الثمينة وعمدت إلى إرجاعها. كانت ماري صاحبة فكرة إنشاء مراكز اشعاعية ميدانية بالقرب من خطوط المواجهة الأمامية لمساعدة جرحى المعارك. كما طورت وحدات تصوير صناعي متنقلة عرفت ب "كوري الصغيرة" بالفرنسية (Petites Curies) وقامت بتدريب النساء للمساعدة. كما أنها أدارت تجهيز 200-منشأة دائمة للأشعة السينية في بلجيكا و فرنسا. وقد تم تقدير عدد الجرحى العسكريين الذين تلقوا علاجهم عن طريق وحدات الأشعة التي جهزتها بحوالي مليون جندي. موازاة لذلك, قامت ماري وابنتها, إيرين, بالعمل على تطوير تطبيقات طبية لعنصر الراديوم.

آخر الأيام في حياة كوري:

بعد انتهاء الحرب شنت ماري كوري حملة لجمع التبرعات لتمويل مشفى ومخبر خاصين بالمعالجة الاشعاعية. وزارت الولايات المتحدة مرتين (خلال عامي 1921 و1929) لجمع المال اللازم لتمويل أبحاثها في مجال الراديوم. نشرت في عام 1924 سيرة ذاتية عن زوجها بيير كوري، بينما تابعت أبحاثها في معهد الراديوم في باريس (حيث تم تعينها كمديرة للمعهد عام 1921) بالتعاون مع ابنتها، إيرين، وصهرها، فريدريك.

بدأت حالة ماري الصحية بالتراجع مع نهاية العشرينات. وبدأت تظهر عليها أعراض مرضية تمثلت بطنين مزمن بالأذن، دوار، حمى منخفضة الدرجة، وفقدان بصر تدريجي. أصيبت ماري بمرض فقر الدم اللاتنسجي, والذي كان نتيجة المستويات العالية من الاشعاع الذي تعرضت له لسنوات عديدة , وبهذا توفيت في 4 تموز من العام 1934. وتعتبر الأوراق التي كتبتها كوري إلى يومنا هذا شديدة الخطورة حيث أنها لاتزال مليئة بالإشعاعات. فهي تحفظ في صناديق مبطنة بالرصاص ويتوجب على من يريد مطالعتها ارتداء بدلات واقية من الاشعاع.

صرح ألبرت أينشتاين، الذي عرف ماري جيداً، بأنها من الممكن أن تكون الشخص الوحيد الذي لم تفسده الشهرة. وقد كان محقاً، لأن ماري كانت متواضعة ومستقيمة، وغالباً ما أصرت على التبرع بالعوائد المادية لجوائزها وهداياها على المعاهد العلمية بدلاً من الاحتفاظ بها. وبالنسبة لي، كوري هي عالمة بحق. فالعلم بالنسبة للعباقرة هو مثل الشعر-لا يمكن أن يكون مهنة، أو حتى هواية. يمكن أن يكون فقط منهج حياة كامل.