منذ القرن الرابع قبل الميلاد، أدركت البشريّة أنّ الماء الساخن، في بعض الحالات يستغرق وقتًا أقلّ من الماء البارد للوصول إلى حالة التجمد. حاول العديد من المفكرين الكبار أن يصلوا لحلّ هذا اللغز، أرسطو، رينيه ديكارت وفرانسيس بيكون وغيرهم الكثير.

إذًا، ما هو حلّ هذا اللغز فعلًا؟

تبيّن فعلًا أنّه لا يوجد حلّ نهائيّ لهذه المعضلة، لكن ذلك لا يعني عدم وجود الحلّ، بل يوجد ثلاثة حلول نعلمها حتى الآن.
انطلقت الفكرة بشكلٍ مبدئيّ من عمل الشاب إريستو مابيمبا، الذي جادل بإمكانيّة تجميد المثلجات بشكل أسرع إن تمّ تسخينها أولًا. وكان ذلك صحيحًا فعلًا. وبالتالي أصبح اسم هذه الظاهرة "تأثير مابيمبا Mpemba Effect".

يعتقد العلماء أنّ هذا الأمر له علاقة بالجليد، الغازات المنحلّة والتبخر.

بدايةً، معظمنا لديه بعض الجليد في ثلاجاته، وكما يبدو فإنّ الجليد ناقل سيء للحرارة، فهو لا ينقل الحرارة من الأجسام الباردة إلى الساخنة ومن الساخنة إلى الباردة بجودة العناصر الأخرى. لكن عند وضع إناءٍ من الماء الساخن في الثلاجة، فإنّه يقوم بإذابة الصقيع المتواجدة عليه، محولًا إيّاه إلى ماء. ينقل هذا الماء الحرارة بشكلٍ أسرع وبالتالي يسمح للوعاء بالتماس المباشر مع الثلاجة نفسها (التي تكون بشكلٍ عام أبرد من الجليد الموجود فيها).

وبالتالي يبرد الماء الساخن بشكلٍ أسرع لقدرته على إذابة الجليد، أمّا الماء البارد فلا يستطيع ذلك.

ثانيًا، يستطيع الماء الساخن أن يحتوي غازات منحلّة أقل من الماء البارد. بسبب هذه الخاصية، يستطيع الماء الساخن أن يطوّر تيارات حملٍ بشكلٍ أسهل من الماء البارد. وفي حال تساؤلك، فإنّ هذه التيارات، تيارات الحمل، تتولد بسبب ارتفاع السوائل الساخنة وهبوط الباردة. ونتيجة لهذه الحركة يتولد التيار، وتزداد هذه التيارات بزيادة معدل تفاعل السوائل الباردة والحارة معًا، مما يزيد سرعة التبريد.

تيارات الحمل في المحيطات. الصورة من هنا.

ثالثًا، بالاعتماد على كيفية قيامك بهذه التجربة، فإنّ التبخر قد يلعب دورًا فيها. إذا قمت، قبل تسخين المياه، بقياس كميات متساوية من المياه(واحدة لتركها باردةً وأخرى لتسخينها)، فإنّك عند تسخين المياه تفقد بعضها بالتبخر، ولذلك تبرد بشكل أسرع، لأنّه فعليًا أقل.

في النهاية، لا يوجد آلية واحدة لتفسير هذه العملية، حيث تلعب كلّ من تلك الآليات دورًا في وقت مختلف وحسب الظروف المختلفة. بعد أن وضحنا ذلك، بقي شيء صغير، صغير فعلًا، بمقياس الذرات.

لم يتمّ التأكد من صحة هذه النظرية بعد، ولذلك وضعناها في النهاية. الفكرة تقول أنّ جزئيات الماء مجموعةً مع بعضها تشكّل روابط هدروجينيّة (القوة الجاذبة بين ذرات الهيدروجين في الذرات سالبة الشحنة) والتي لا تكون بقوة الروابط التساهميّة (التي تتشارك فيها ذرتان زوجًا من الإلكترونات). وبتسخين الماء، يصبح أقلّ كثافةً، وبالتالي تتمطط الروابط الهدروجينية بتباعد الجزيئات عن بعضها، يسمح ذلك بتضاؤل الروابط التساهميّة وإطلاق طاقتها، وبالتالي زيادة التسخين. أيّ إنّ الماء الساخن قادر على تحرير الطاقة بشكلٍ أسرع، مما يؤدي إلى تجمّده بشكل أسرع أيضًا.