تشترك الشركات، الحكومات وكذلك العامة في الحماس والترقب تجاه ما ستحدثه تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية في المستقبل القريب. ويتنافس الجميع بإصرار في سباق نحو التوسع في استخدام وامتلاك التقنيات التي تعتمد على ذكاء الآلات في مختلف القطاعات في وقت قد يتساءل فيه البعض عن الجدوى الفعلية لهذا التحول التقني الزاحف سريعًا على عالمنا.

اقتصاديًا، يبدو هذا السباق مبررًا ومنطقيًا، إذ يشير تقرير حديث نشرته شركة برايس ووتر هاوس كوبرز البريطانية المتخصصة في أبحاث السوق إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط تحقق حاليًا نموًا سنويًا يتراوح بين 20% إلى 34% في مساهمتها في اقتصادات المنطقة، وأن قيمة تلك المساهمة يُنتظر أن تبلغ 320 مليار دولار أمريكي بحلول العام 2030.

ولكن العائد الاقتصادي المنتظر يأتي مدعومًا كذلك برؤية طموحة لما يمكن أن يساهم به هذا التحول نحو الذكاء الاصطناعي في مجال الصالح المجتمعي وجعل حياة البشر أكثر جودة على كافة المستويات. وتعد الرعاية الصحية وممارسة الطب أحد تلك المجالات التي تنتظر تغييرات محورية واسعة النطاق بفضل هذه التقنيات الحديثة، وإن كانت حتى هذه اللحظة ما زالت في معظمها قيد الأبحاث والتطوير.

الفحوص التشخيصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

لمجال الأشعة التشخيصية والتصوير الطبي تاريخ طويل من الاستعانة بأحدث ما وصلت إليه التقنية في مجالات الحوسبة ومعالجة الصور الرقمية، وهو ما يُفسر كون هذا المجال أيضًا أحد أسرع المجالات نموًا وأكثرها تطلعًا لتأثيرات التحول نحو الذكاء الاصطناعي.

نجحت مجموعات بحثية متعددة حول العالم بالفعل في الاستعانة بتطبيقات لمعالجة الصور تلقائيًا في زيادة كفاءة التشخيص وسرعة التعرف على البؤر المرضية من خلال تحليل أعداد هائلة من الصور الخاصة بفحوصات الأشعة المقطعية للمرضى.

وتولي الأبحاث في هذا المجال حاليًا اهتمامًا خاصًا بدراسة إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنية التعلم العميق في التغلب على أكبر تحديين يواجهان مجال الأشعة التشخيصية في العالم وهما؛ توفير وسيلة اعتمادية تستطيع مراجعة الفحوص سريعًا فور اتمامها وتنبيه الأطباء إلى الفحوص التي تتطلب مراجعة عاجلة أو تدخل طبي طارئ، ومساعدة الأطباء في مراجعة التقارير الطبية مرة إضافية تلافيًا لحدوث الأخطاء الكتابية والإملائية.

هاتفك يتحول إلى طبيبك الخاص: في كل وقت وفي كل مكان

يعاني 19 مليون طفل حول العالم من ضعف الإبصار، لكن النسبة الأكبر لهؤلاء يجب أن يتلقى علاجًا فعالًا في الوقت المناسب كي يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي إذا ما تلقوا العلاج. ليتحقق ذلك، ينبغي أن يخضع الأطفال في مختلف بقاع العالم، وخاصة في المناطق النائية والمعزولة، خلال السنوات الأولى لفحص مبدئي للإبصار.

يرجع الفضل إلى التعاون بين شركة هواوي ومستشفى جامعة ميغيل سيرفيت وجامعة سرقسطة في إسبانيا في تطوير تطبيق يعتمد على التعلم العميق والذكاء الاصطناعي لتبع أنماط النظر باستخدام كاميرا الهاتف الذكي والاستفادة من ذلك في الوصول إلى تشخيص مبدئي لمشكلات الإبصار لدى الأطفال.

تجري الآن مرحلة جمع البيانات اللازمة لنظام التعلم العميق في مستشفيات في كل من الصين والمكسيك ودولة الإمارات العربية المتحدة وإسبانيا وفيتنام، يليها إنشاء نموذج أولي صالح للتجربة في أسواق محددة، وهو ما قد يحدث خلال العام المقبل ويستهدف بعض المناطق النائية البعيدة عن الخدمة الصحية.

قليل من المهام الجانبية، كثير من رعاية المرضى

تعاني دول عديدة من نقص كبير بعدد الأطباء، في ظل زيادة متنامية للمهام المطلوبة منهم ووعي صحي متزايد ينعكس على أعداد المرضى الذين يريدون مراجعة الطبيب. وتتجه تلك الأزمة إلى التفاقم بعد أن بدأت دول كثيفة سكانيًا في المعاناة من المشكلة ذاتها،  مثل مصر التي تواجه مؤخرًا عجزًا حادًا في احتياجاتها من الأطباء.

سواء كانت تلك المساهمات تأتي في صورة أذرع الروبوت الجراحية التي باتت تستخدم فعليًا في بعض الجراحات الدقيقة أو جاءت في شكل كتابة تقارير تلقائية تشتمل على كافة التفاصيل للإجراءات العلاجية ومقابلات الأطباء، فإن مشاركة تقنيات الذكاء الاصطناعي في توفير الوقت والمجهود الذي يهدر في مهام ثانوية يوفر وقتًا للأطباء لتقديم رعاية صحية مباشرة وفعلية للمرضى.

ويشير تقرير شمل مؤسسات رعاية صحية تابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية إلى أن استخدام تلك التقنيات قد ينتج عنه توفير في ساعات عمل الأطباء في تخصص الممارس العام في الهيئة سنويًا يبلغ 5.7 مليون ساعة عمل.

لا ريب أننا سنجد تقنيات الذكاء الاصطناعي تتغلغل بعمق أكبر في قطاع الرعاية الصحية خلال الأعوام القليلة المقبلة لتقدم لنا بدائل أفضل مما يتوفر لدينا اليوم.