تركض إحدى السيدات مسرعة للوصول إلى أقرب مكان فيه مأخذ للتيار الكهربائي، فهي بأمس الحاجة لاستخدام هاتفها الجوال، لكن بطاريته بدأت تنفد، وخلال لحظات ستصبح ضائعة بين الزحام دون أي وسيلة للاتصال. إن جل ما تتمناه في تلك اللحظة هو نقطة تزودها بالكهرباء سواء على عمود الإنارة أو على الرصيف أو ربما داخل حقيبتها، هذا الحل الأخير ليس مستحيلاً، إذ خطرت تلك الفترة على بال إحدى الشابات السعوديات فصممت ونفذّت حقائب نسائية مزودة بأجهزة شحن للهواتف النقالة، وهكذا حلّت المشكلة التي عانت منها بطلة قصتنا، وباعت المصممة كثيرًا من الحقائب وهي تتلقى طلبات باستمرار لشراء هذا المنتج الجديد والمبتكر.

شهدت المملكة العربية السعودية ازدهاراً ملفتاً على صعيد ريادة الأعمال. فمن ناحية البيئة التي يفترض أن تنمو الأعمال الرائدة ضمنها، يمكننا تقسيمها إلى شقين: الأول هو الإصلاح التشريعي الكبير الذي شهدته المملكة منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي والذي سعى لتشجيع الشركات الناشئة وريادة الأعمال، وهو ما أعطى نتائجه سريعاً، فاليوم تحتل السعودية المركز الثالث عشر عالمياً من حيث سهولة ممارسة الأعمال، وتمتلك 40 حاضنة أعمال تتبنى الأفكار والمبادرات الجديدة، وفي العام 2012 أطلقت مبادرة لإنشاء شبكة لتمويل الأفكار في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية. ويذكر أن المملكة تسعى لرفع السوية العلمية للأفراد بهدف دعم الاقتصاد بشكل أكثر أكاديمياً والذي سيدفع باتجاه ريادة أعمال أكثر ثباتاً وديمومة، وبهذا الصدد أطلقت الإستراتيجية الوطنية  للاقتصاد القائم على المعرفة المأمول الوصول إليه في العام 2030. أما الشق الثاني من البنية التحتية أو البيئة الحاضنة فهو الكفاءات الشابة، إذ يعدّ المجتمع السعودي مجتمعاً شاباً بامتياز نظراً لأن 47% من السكان هم دون 25 سنة، مع التركيز على أن 60% من خريجي الجامعات من الإناث، ولا ريب أن وجود العنصر الشاب هو أساسي في عملية توليد الأفكار الريادية والمشاريع الجديدة. بالإجمال فإن هذه العوامل قد شجعت على وضع المملكة على خارطة ريادة الأعمال في العالم.

الشباب والريادة ومستقبل المملكة العربية السعودية
طوبى تركلي - مصدر الصورة:arabianbusiness

ريادياً، تحتل المملكة العربية السعودية المركز الـ 36 على مستوى العالم والمركز الرابع عربياً، بوجود 2 مليون مؤسسة صغيرة ومتوسطة تطلق باستمرار المشاريع الريادية، وتحتل المملكة المركز الأول عالمياً من ناحية صغر سن رواد الأعمال، وهي تحتل هذا المركز مناصفة مع الإمارات العربية المتحدة، ففي هاتين الدولتين 63% من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع دون الـ 35 سنة وبدؤوا أعمالهم بعمر 26 سنة، وهذه الأرقام مؤشر واضح على سهولة تأسيس الأعمال في المملكة ومقدار الدعم الذي يحظى به الرياديون السعوديون.

على الرغم من كل ما ذكرناه عن ازدهار ريادة الأعمال في المملكة ما زالت بعض العقبات والتحديات التي ينبغي التعامل معها جدياً، فما تزال البنوك تمتنع عن تمويل الأفكار التي لا ترقى لمستوى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحاضنات الأفكار المنتشرة في المملكة مدعومة بغالبيتها من الحكومة السعودية وليس من القطاع الخاص، مع العلم أن عدم وعي القطاع الخاص بأهمية ريادة الأعمال هو فجوة كبيرة ينبغي تلافيها، كذلك فإن 5% فقط من المشاريع في المملكة هي مشاريع يمكن أن تسمى بالجديدة وغير تقليدية. وأخيراً فإن 40% من المشاريع الريادية تخرج من السوق بسبب ضعف التسويق، وهذا ما يمكن حله بتوفير الأساس المعرفي لإدارة المشاريع وإيصال الأفكار إلى أكبر شريحة من الزبائن.

في كتابه "إستراتيجيات الحياة" وضع الدكتور فيليب ماكرو قائمة بالقوانين التي تسير عليها حياة الناس، وكان خامس هذه القوانين، والذي ينطبق كذلك على عالم الأعمال، "الحياة تكافئ الأفعال" والذي يعني أن الأفكار والنوايا لا قيمة لها ما لم تتحول إلى واقع فعلي، وهنا يمكن اعتبار الدول التي تشجع الشباب على تحويل أفكارهم إلى مشاريع على الأرض، هي الدول الأجدر بالبقاء في ظل هذا السباق المحموم في عالم الابتكار والتفوق الاقتصادي والتقني، والمملكة العربية السعودية التي باتت تحتل مواقع متقدمة سواء في المنطقة أو على مستوى العالم بمجال تبني وتشجيع رواد الأعمال هي مثال يحتذى، لكن لا ينبغي التوقف عند الإنجازات الحالية فقط فأمام رواد الأعمال في المملكة كثير مما يستطيعون تقديمه.