معرفة كيفية تفاعُل الدماغ

يَظُن مَن يَعيش في عصرنا الحديث أن حوادث الانتحار ستَقِل عن ذِي قبل، وهذا خطأ للأسف، إذ ذَكَرت منظمة الصحة العالمية أن معدلات الانتحار العالمية زادت بنسبة 60% في آخِر 45 عامًا، وتُشير الإحصائيّات الحاليّة إلى أن كل عام يَشهد نحو مليون حادثة انتحار؛ وتتوقع منظمة الصحة أنّ معدل الانتحار سيَقفز بحلول العام 2020 من «حالة كل 40 ثانية» إلى «حالة كل 20 ثانية،» وهذا مُفزِع ولا ريب!

ولذلك تَعاوَن باحثون من عدة مؤسَّسات كبرى -منها جامعة «هارفارد» وجامعة «كارنِيجي مِيلُون»- على تطوير خوارزمية «تعلُّم آليّ» لِفَهْم الأنماط العصبية للسلوك الانتحاريّ، اعتمادًا على «التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ.»

اختبر الباحثون تقنيتهم بمساهمة 17 مريضًا يُعانون أفكارًا انتحارية و17 آخرين كمجموعة ضَبْط، فبَحثوا بها عن الأنماط الدماغية الانتحارية بمراقبة الكيفية التي تفاعلَتْ بها أدمغة المساهمين مع المُفردات السِّتّ التي عرضوها عليهم: موت وقسوة ومشكلة وخُلُوّ بال وخير وثَناء؛ فنجحت الخوارزمية -اعتمادًا على صُوَر «أشعة الرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ» فحسْب- في تمييز 15 مريضًا من المرضى الذين يعانون أفكارًا انتحارية، و16 شخصًا من مجموعة الضبط، وهي دِقّة تَبلُغ نِسبتها 91%؛ ونُشرَت نتائج دراستهم في قِسم السلوك البشريّ بمجلة «نيتشر،» ونَشَر موقع «مِيد بيدج توداي» تسجيل فيديو يناقش فيه اكتشافهم.

الذكاء الاصطناعيّ والتعلم الآليّ والصحة النفسية

أفضل طريقة حاليًّا لتَوقُّع السلوك الانتحاريّ هي سؤال الشخص مباشرةً: هل يُفكر في الانتحار أم لا؛ لكنها ليست طريقةً دقيقة، فالدراسات تُشير إلى أن نحو 80% من المُنتحِرين نَفوا مَيْلهم إلى الانتحار في جلستهم الأخيرة مع طبيبهم النفسيّ؛ ولا ريب في أن تلك الخوارزمية يَسَعها حل هذه المشكلة.

ليست هذه أول مرة يُستخدَم فيها الذكاء الاصطناعيّ لتمييز المَيَّالين إلى الانتحار، فقبل ذلك استُخدِم ذكاء «فيسبوك» الاصطناعيّ وخوارزمية «تعلُّم آليّ» تَعتمد على تحليل اللغات لتمييز السلوك الانتحاريّ؛ لكنْ ما يُميِّز خوارزمية هذا الفريق أنها أثبتت شيئًا جديدًا مهمًّا، وهو أنّ أدمغة الميَّالين إلى الانتحار تختلف عن أدمغة الأصحّاء، وأنَ الاختلافات يَسهُل رَصْدها باستخدام هذه الخوارزمية وصُوَر «أشعة الرنين المغناطيسيّ.»

لكن هذه الطريقة لا تخلو من العقبات، كاحتياجها إلى «التصوير بالرنين المغناطيسيّ» الذي يتعذّر إجراؤه في مكاتب الأطباء العادية؛ وعن هذا قال الدكتور مارسيل جاسْت -الباحث الرئيس، وأستاذ بجامعة كارنيجي ميلون- لأستاذ جامعة يِيل فرانسيس بِيري وِيلسون في تسجيل «مِيد بيدج توداي» «سنُجرِّب استخدام تخطيط أمواج الدماغ؛ وسيكون رائعًا إذا أمكننا رَصْد اختلافات التفكير به، إذ ستُصبح تقنيتنا حينئذٍ أشْيَع وأقل تكلفة بكثير.»

وأشار جاسْت إلى عقبة كبيرة أخرى حين قال «يستطيع أيّ شخص أن يُعِيق طريقتنا هذه إذا لم يُرِد أن تَتكشَّف أفكاره للآخرين، فما عليه إلا أن يَتقاعس ويَمتنع عن التعاوُن؛ ولا أظن أن بين أيدينا حاليًّا طريقة نَنفُذ بها إلى أفكار الناس رغمًا عنهم.»

ومع ذلك لا ريب في أهمية السعي إلى توظيف «التعلُّم الآلي» في علاج المشاكل النفسية الخطيرة كالانتحار، إذ يُحتمَل أن يُصبِح مَـدَدًا كبيرًا للأطباء وسببًا في إنقاذ مزيد من الأرواح.