باختصار
  • تتركز معظم الجهود في البحث عن الكواكب من خارج النظام الشمسي على ما تسمى "الكواكب الشبيهة بالأرض"، وهي كواكب ذات حجم قريب من كوكب الأرض، وتقع ضمن المنطقة القابلة للسكن حول نجومها.
  • ولكن التوقعات حول احتمال وجود حياة في بعض الأقمار المتجمدة للكواكب البعيدة في النظام الشمسي، قد تساعد على توسيع هذه النظرة الضيقة والمحدودة. وتهدف بعض البعثات المقترحة إلى "أوروبا" - وهو أحد أقمار المشتري - إلى تحديد إمكانية وجود حياة تحت قشرته الجليدية.

تعريف المنطقة القابلة للسكن

إنه أحد أكثر الأسئلة العلمية إلحاحاً: هل يوجد حياة فضائية في مكان ما من أرجاء هذا الكون الفسيح، يختلف عن النوع الأرضي المألوف الذي تعودنا عليه؟

ما زلنا نفتش عن إجابة لهذا السؤال، ولكن يبدو أن كل يوم يجلب لنا أخباراً جديدة عن اكتشاف كوكب جديد من خارج النظام الشمسي، وهو ما يقربنا من حل هذه المسألة، وقد تطورت التكنولوجيا إلى حد أننا أصبحنا قادرين الآن على تحديد الكواكب ذات الحجم القريب من حجم الأرض (لاحظوا الفرق بين كون الكوكب ذي الحجم القريب من حجم الأرض، وبين كونه شبيهاً بالأرض) من خارج النظام الشمسي، والتي تقع ضمن المنطقة القابلة للسكن في نجومها المركزية.

ولكن، هل نحن نفرض قيوداً لا معنى لها على أنفسنا، ونلتزم بأحكام مسبقة تعتبر الأرض معياراً صحيحاً؟ لا تمثل المنطقة الفضائية القابلة للسكن أكثر من جزء من النظام الكوكبي حيث تكون الحرارة مناسبة لوجود المياه السائلة، وبكلمات أخرى، حيث تتواجد الأرض تماماً ضمن النظام الشمسي. بالطبع، وعند تساوي العوامل الأخرى، فإن كوكباً يحقق هذه الشروط ضمن المنطقة القابلة للسكن سيقدر على احتواء الحياة الأرضية كما نعرفها، ولكن من قال إن هذا ما نبحث عنه فعلياً؟ إضافة إلى هذا، فنحن نعرف أن المنطقة القابلة للسكن ليست ثابتة مع الزمن، حيث إن حرارة النجم ترتفع مع تطوره وتقدم الزمن، وبالتالي فإن هذه المنطقة تنتقل مبتعدة عن النجم، وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار بالنسبة للنجوم الحمراء العملاقة، والتي بلغت مراحل تطورية متقدمة، كما تبين دراسة تم نشرها مؤخراً.

المنطقة القابلة للسكن حول الشمس حالياً (أعلى)، المنطقة القابلة للسكن كما ستصبح بعد حوالي 7 مليارات سنة (أسفل). حقوق الصورة: ويندي كينيجسبيرج/ جامعة كورنيل.
المنطقة القابلة للسكن حول الشمس حالياً (أعلى)، المنطقة القابلة للسكن كما ستصبح بعد حوالي 7 مليارات سنة (أسفل). حقوق الصورة: ويندي كينيجسبيرج/ جامعة كورنيل.

بغض النظر عن السؤال حول وجود الحياة الفضائية كلية الاختلاف، والتي نشأت من أنظمة كيميائية تختلف بشكل جذري عن أي شيء نعرفه، فإننا لا نقدر حتى على الجزم بأن الحياة ذات الطابع الأرضي يمكن أن تتطور فقط على كوكب شبيه بالأرض ضمن المنطقة القابلة للسكن حول نجمه، وهنا تصبح دراسة الأقمار المتجمدة للمشتري وزحل ذات أهمية.

منذ أن انطلقت مسابر فوياجر نحو أعماق المجرة، ظهرت الكثير من التوقعات بأن قمر المشتري الثاني - "أوروبا" - قد يحوي محيطاً دافئاً وسائلاً تحت قشرته الجليدية المرقطة بالأحمر والأبيض، حتى إن عمليات الرصد الأخيرة للتلسكوب الفضائي هابل تقترح أن بعض هذه المياه تتسرب إلى الفضاء على شكل فوارات، مماثلة لما نراه على إينسيلادوس، قمر زحل.

المحيط المغطى بالجليد

يُعزى وجود محيط كهذا على "أوروبا" إلى الآليات السماوية المعقدة للأقمار الجاليلية، أي هذه الرقصة المذهلة، والتي تم رسمها على مدى مليارات السنوات بين إيو، وجانيميد، و"أوروبا"، وكتلة المشتري الهائلة، والتي تتسبب بضغط الأجزاء الداخلية الغامضة ل"أوروبا" ورفع حرارتها، وذلك عبر تأثير الانثناءات المدية. وهو يشبه بعض الشيء ما حصل لإيو، القمر الصغير البركاني الملتوي، غير أن النتيجة في حالة "أوروبا" كانت أكثر فرحاً وأقل شبهاً بجحيم دانتي.

ولكن، ليس من الضرورة أن ما حدث بعد هذا هو تطور مجموعة منوعة من الوحوش المائية إلى عالم محيطي مفترض تحت جليد "أوروبا"، على الرغم من أننا نفضل تصديق حدوث هذا السيناريو بالضبط. ولكن هناك ما يكفي من الأسباب حتى يكون لدينا أمل بهذا.

"أوروبا"، القمر الغامض للمشتري. هل هناك حياة فضائية تكمن تحت كل هذا الجليد؟ حقوق الصورة: ناسا.
"أوروبا"، القمر الغامض للمشتري. هل هناك حياة فضائية تكمن تحت كل هذا الجليد؟ حقوق الصورة: ناسا.

على سبيل المثال، تحتاج الحياة على الأرض إلى الماء، ومصدر للطاقة، أي الشمس في أغلب الأحيان. ولكن من الصحيح أيضاً أن بعض المتعضيات تستمد طاقتها من مصادر لا شمسية حصراً، خصوصاً في أعماق المحيطات، بل إنه من المحتمل أن الحياة على كوكب الأرض في مراحلها المبكرة، اقتصرت على هذا النوع، في وقت كانت فيه أشعة الشمس أضعف بكثير مما هي عليه اليوم.

تبين دراسة حديثة أن التفاعل الكيميائي الناشر للحرارة - والمعروف بـ"التحول الصخري" حيث يتفاعل الماء المالح مع المعادن الموجودة في الصخور لإنتاج الهيدروجين والحرارة - قد يكون منتشراً على "أوروبا" كما في المحيطات الأرضية. إضافة إلى هذا، فإن الإشعاع الحارق من المشتري قد يكون كافياً لفصل ذرات الأوكسجين عن جزيئات الماء في القشرة الجليدية لهذا القمر، ومن ثم يتم تدوير الأوكسجين عميقاً نحو الأجزاء الداخلية. إذا كان هذا صحيحاً، فهو يعني نظرياً وجود جميع المكونات الضرورية لنظام بيئي مزدهر، ولا ينقصه سوى شرارة حياة. ومن سوء الحظ، فإن حساب احتمال حدوث شيء كهذا يتجاوز قدرات نماذجنا الإحصائية.

ولكن، بدأ وضع الخطط لإرسال مسبار فضائي نحو "أوروبا" البعيد، وهذه المرة، سيكون مزوداً بأداة تحسس كيميائية، بحيث يمكن للمسبار المرور عبر فوارات المياه التي يطلقها القمر و(تذوق) مكونات محيطاته الداخلية.

يقول جون جرانسفيلد، المدير المساعد في إدارة البعثات العلمية في ناسا: "قدمت لنا عمليات الرصد لـ أوروبا دلائل مثيرة على مدى العقدين المنصرمين، وقد حان الوقت للبحث عن أجوبة عن أهم الأسئلة التي طرحتها الإنسانية".

بغض النظر عما سيكتشفه المسبار، فقد حان الوقت لتوسيع تعريفنا لما يمكن اعتباره "منطقة قابلة للسكن" فعلياً، في نظامنا الشمسي، كما في الأنظمة الأخرى العديدة التي تطوف يومياً قربنا.