باختصار
ما فتئت الأوساط العلمية تبحث عن وسائل جديدة لجمع بيانات أكثر عن المحيط الذي يعج بالأسرار، وأطلقت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية «داربا» مشروعًا يهدف لاستخدام الطوافات الذكية في جمع البيانات على نطاق واسع سعيًا لابتكار ما يسمى «بمحيط الأشياء.»

خفي ومجهول

تستدرج وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية «داربا» عروضًا لابتكار «طوافات ذكية» بأهداف طموحة، وهي ربط محيطات العالم بشبكة من الحساسات قادرة على تسجيل الكم الهائل من البيانات عن تلك البيئة التي تشكل 71% من كوكبنا.

أتت تسمية «محيط الأشياء» تيمنا بإنترنت الأشياء؛ وهو مصطلح حديث يقصد به الجيل الجديد من الإنترنت الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها. لكن عوضًا عن ربط الثلاجات وأجهزة التحكم بالحرارة مع الإنترنت، فإن محيط الأشياء سيتيح على الإنترنت آفاقًا واسعة من البيانات التي كانت مجهولة سابقًا من نداءات الحيتان إلى درجات حرارة مياه المحيط.

وصرح جون واترستون مدير البرامج في مكتب التقنية الاستراتيجي في داربا «يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الوعي بالأحوال البحرية بوسيلة فعالة ومقبولة التكلفة. وذلك من خلال الربط بين الأدوات التحليلية القوية وتقنيات الحساسات التجارية، ونخطط لابتكار شبكة عائمة من الحساسات تعزز نطاق المعرفة البحرية بجزء يسير من تكاليف الأساليب المتبعة حاليًا.»

تشبه معظم المحيطات غرفة دامسة الظلام مضاءة ببعض الكشافات الموضعية، ونعلم قدرًا مقبولًا عن تلك البقع المضاءة التي زارتها غواصاتنا أو مركباتنا ذاتية القيادة أو غطسنا إليها، لكننا لا نعلم إلا شيئًا يسيرًا عن الأماكن الأخرى.

قد يتغير هذا الحال بفضل شبكة من الطوافات التوّاقة لجمع البيانات، إذ تستدرج وكالة داربا عروضًا لابتكار شبكة من الطوافات الذكية القادرة على حمل مختلف الحساسات والأجهزة. وعلى كل طوافة أن تجمع بيانات بيئية أساسية، كدرجات الحرارة ونسبة الملوحة والحالة البحرية، بالإضافة إلى معلومات عن السفن القريبة ومدى سلامة نظام الطوافات كاملًا.

ويشترط البرنامج ألا تشكل الطوافات خطرًا على القوارب المارة أو الثدييات البحرية، وأن تُصنع من مواد صديقة للبيئة وقادرة على البقاء في البحر لعام على الأقل.

محيط من المشاكل

يتطلع كثيرٌ من علماء العلوم البحرية بشوق إلى موجة البيانات التي قد يوفرها محيط الأشياء. فالحجم الهائل للمحيطات والصعوبات التي تترتب على العمل فيها تجبر الباحثين على الاختيار بين امتلاك بيانات مكانية؛ وهي البيانات التي تؤخذ عند نقاط مختلفة وأوقات زمنية مختلفة، أو بيانات مؤقتة، وهي البيانات التي تؤخذ في نقطة واحدة خلال فترة زمنية طويلة، وقد يوفر محيط الأشياء وسيلة غير مسبوقة تتيح تسجيل كلا الخيارين.

ويشكك آخرون في إمكانية إنجاز هذا المشروع الضخم، إذ أن التكلفة المقررة لكل طوافة لا تتجاوز 500 دولار، ويقدر خبراء أن تصل تكاليف البطارية وأجهزة الاتصال اللازمة لنقل البيانات إلى 100 دولار أو أكثر، ما يترك مبلغًا ضئيلًا لباقي الأجهزة.

وصرح باحث آخر لموقع «أوشينز ديبلي» أن نشر الطوافات في الأماكن التي يحددها الباحثون والمحافظة عليها في مواقعها سيكون أمرًا بالغ الصعوبة، إذ قد تتسبب الأنظمة المناخية في دوامات واسعة النطاق، فتجمع جميع الحساسات في مكان واحد، ما يمنعها من تحقيق المهام الموكلة إليها.

لا تمثل دعوة «داربا» سوى نقطة البداية لهذا المشروع، وقد يجد المصممون حلولًا ابتكارية للتغلب على تلك المشكلات، والأمر الحسن أن داربا ليست الجهة الوحيدة الساعية لإنارة الأجزاء الخفية من عالمنا، إذ أطلقت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية مبادرة «أوشين أوبزيرفاتوريز» التي زودت الباحثين ببيانات مكانية ومؤقتة عن المحيط من سطحه نزولًا إلى أعماقه منذ أن اتصلت بالشبكة في العام 2016. فإن نجح مشروعها المشترك مع منظمة «المخطط العام لأعماق المحيطات» ستنطلق أعداد كبيرة من الروبوتات إلى المحيطات هادفة لرسم خرائط دقيقة لها بحلول العام 2030.