واقع الحلول الوُسطى

سَجَّل الهايبرلوب الذي تُنتجه شركة «هايبرلوب وان» سرعة مقدارها 308 كم/سا، وهي خطوة مهمة ولا ريب -وإن كانت قصيرة- في سبيل تحقيق أول أهداف صنع الهايبرلوب، ألا وهو بلوغ سرعة أكبر من سرعات البدائل الأخرى. لكنْ على الرغم من أنه صُمِّم في البداية على صورة كبسولة صغيرة أنيقة تصل سرعتها إلى 1,200 كم/سا، فإن تطوُّره حاليًّا سلك مَسلكًا مختلفًا عن هذا.

سلَّط ماسك في مخططه الأَوَّليّ الضوء على بعض مشاكل المخططات التصوُّرية لعديد من أنظمة السكك الحديدية الأخرى فائقة السرعة، كارتفاع نسبة النفقة في كل ميل، وارتفاع تكلفة التشغيل، وأنّ المقترحات الأخرى كانت أقل أمانًا من الطيران بمقدارَيْن أُسِّيَّيْن.

لم يتخيل أحد أن مقترح الهايبرلوب سيَبلُغ مَبلَغه هذا بعد أربعة أعوام فقط من إعلان إيلون ماسك عن خططه الأولية، لكن حجمه الحاليّ بقطر 3.3 أمتار يجعله أشبه ما يكون بنموذج للبضائع؛ فبدلًا من أن يكون كالزلَّاجة الجماعية، صار يشبه القطار العاديّ. وفوق ذلك ستُصبح الأبراج الخرسانية الرفيعة، التي وُضعت في التصاميم الأولية ليكون تأثيرها على الأرض أقل ما يمكن، أكبر حجمًا بكثير؛ ويبدو أن احتمالية تَفكُّك أنابيبه المرصوصة سترتفع لأنّ حجمه صار أقرب إلى حجم السكك الحديدة أو الطرق السريعة.

التسويق

التسويق البيئيّ للهايبرلوب كان بسيطًا: سيكون فائق السرعة، وفائق التسارع والتباطؤ، وذا محطات وفيرة بما يكفي ليَحفِز المراكز السُّكَّانية في العالم أجمَع إلى استعماله بدلًا من وسائل النقل التقليدية؛ ما سيؤدي إلى تقليل الغازات الدفيئة، وربما إلى إبطاء معدل تغيُّر المناخ.

حقوق الصورة: مركز مارشال للطيران الفضائي التابع لوكالة ناسا
حقوق الصورة: مركز مارشال للطيران الفضائي التابع لوكالة ناسا

لكن ظَهَر في اختبار «هايبرلوب وان» الأخير عدة طُرُق متفرعة أقرب إلى المسارات الخطية منها إلى المسارات الحَلَقية التي كانت عاملًا أساسيًّا من عوامل كفاءة الطاقة في تصميم ماسك الأوِّليّ؛ فمِن دون الرياح فائقة السرعة التي تجري في اتجاه ثابت يبدو أن نظام التعليق المغناطيسيّ سيُصبح هو الخيار الأساسي الذي ستلجأ إليه الشركة لدَفْع الهايبرلوب، ما سيَجعلها تُسقِط من حساباتها ميزة الصعود والهبوط المعقدة التي تَجعل الهايبرلوب يبدو مُبتكَرًا وعمليًّا أيضًا.

لكن في الشهر الماضي أعاد ماسك هذه الميزة العملية إلى النقاش مُجدَّدًا عندما أعلن أن أنفاق شركة «بورِنج» يَسَعها أن تُصبح أنفاقًا مُفرَّغة تَصِل نيويورك وواشنطُن بمسار لا يَلزَمه من الوقت إلا 29 دقيقة، ثم التقى أليكس فارجاس، رئيس بلدية هوثورن في كاليفورنيا، ليَشرَح له المبادئ الفيزيائية والاقتصادية التي سيَعتمِد عليها إنشاء الهايبرلوب الذي تُقدَّر تكلفته في كاليفورنيا بنحو 7.5 ملايين دولار.

وتعرف الهندسة بأنها مزيج من الفيزياء والحلول الوُسطى، وكلما زادت الحلول الوُسطى صَعُب التركيز على الهدف النهائيّ؛ لكنْ هذا حال كل الثورات التقنية، التي تَتطلَّب التعامل مع مشاكل الواقع -والفشل فيه أيضًا- بهدوء وطُول نَفَس، كي يتسنَّى التنبؤ بالنتائج النهائية.