باختصار
تستمر الأبحاث الهادفة للاستفادة من طاقة الاندماج النووي، وتتنافس المشاريع الرائدة حول العالم لتطوير أول مفاعل اندماج النووي يحقق طاقة اندماجية يمكن التحكم بها، فإن حدث ذلك قد نتمكن من تشغيل الشبكات الكهربائية اعتمادًا على تلك المفاعلات.

تساهم مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنسبة متزايدة من إجمالي الطاقة الكهربائية المولدة، وينمو هذا الاتجاه سريعًا نظرًا للمخاوف من الانبعاثات الكربونية التي تطلقها محطات الوقود الأحفوري وآثارها السلبية على المناخ.

تتمتع الطاقة النووية بمزايا تتفوق بها على الطاقة المتجددة، كالقدرة على توليد الكهرباء عند غياب الشمس أو هبوب الرياح، وتعمل محطات الطاقة النووية الحالية بالانشطار النووي؛ أي  انقسام الذرات في معادن نادرة كاليورانيوم. ويخلف الانشطار موادًا إشعاعية يصعب التخلص منها، وخير دليل على ذلك الكوارث النووية التي شهدناها حتى الآن، ككارثة تشرنوبل وكارثة فوكوشيما وحادثة جزيرة الثلاثة أميال.

ويمثل الاندماج النووي نموذجًا آخر من أشكال التفاعلات النووية؛ وهو ببساطة عملية اندماج نواتين ذريتين لتكوين نواة واحدة أثقل. وأشهر أمثلة هذا التفاعل، والذي يحدث باستمرار في الشمس، اندماج نواة عنصر الهيدروجين، وهو أيضًا عنصر وفير على الأرض ومنخفض التكلفة. وخلافًا للانشطار النووي تنتج هذه العملية كميات أكبر بكثير من الطاقة دون أن تولد كثيرًا من المخلفات النووية.

استمدت الشمس طاقتها من الاندماج النووي لمليارات الأعوام فتطلق كميات هائلة من الطاقة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها العلماء والمهندسين حتى الآن، لم يتمكنوا بعد من توليد اندماج نووي يسهل التحكم به على الأرض. ويعتقد البعض أننا لن نصل إلى هذه المرحلة إلا بعد خمسين عامًا على الأقل. لكن المشاريع والتقنيات الرائدة تبشر بقدرتنا على حصد ثمار الطاقة النووية لسد احتياجاتنا من الطاقة الكهربائية خلال مدة أقرب.

قيادة الحملة

ومن التجارب التي نأمل أن تصل بنا إلى اندماج نووي يمكن التحكم به، تجربة تشغيل المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي «آيتر» في منشأة كاداراش جنوب فرنسا. وهو مشروع بحثي دولي يدرس الاندماج والانصهار النووي ومشاريعه الهندسية. وقال العالم ويليام ماديا؛ المدير السابق لمختبر أوك ردج الوطني والذي قدم مراجعة مستقلة للمشروع في العام 2013 «يمضي المشروع نحو تحقيق عملية اندماج نووي ناجحة خلال أربعينيات القرن الحالي.»

تجاوزت نسبة إنجاز المفاعل 50% مؤخرًا، ويتكون من حجرة مفرغة شبيهة بقطعة كعكة الدونات تعرف باسم «توكاماك» وهو أحد أنواع المفاعلات النووية الاندماجية، ويمتد طوله لأكثر من 18 مترًا.

وأضاف ويليام «إن العقود التي تفصلنا عن تشغيل مفاعل آيتر تشغيلًا تامًا تعكس التحديات الهندسية الضخمة التي ما زالت تواجه الباحثين، ومنها أن نتمكن من بناء جدران تتحمل حرارة المفاعل الشديدة التي تصل إلى 150 مليون درجة مئوية؛ والتي تعادل عشرة أضعاف درجة حرارة لب الشمس. أما التحدي الآخر فهو ابتكار مواد فائقة الموصلية قادرة على توليد مجالات مغناطيسية قوية بما يكفي للحفاظ على التفاعل الاندماجي.»

تخطت ميزانية مفاعل «آيتر» حاجز الأربعة عشر مليار دولار، وقد لا تكفي للوصول إلى الهدف في سياق السعي الطويل نحو اندماج نووي يمكن التحكم به، أو ما يسميه البعض «نجم في جرة.»

منافسة محتدمة

انطلقت مشاريع اندماجية أصغر حجمًا تشمل مفاعلات تجارية طورتها شركة لوكهيد مارتن الأمريكية، وجنرال فيوجن الكندية، وتوكاماك إنرجي البريطانية، وتهدف إلى الاستفادة من طاقة الاندماج النووي في تشغيل الشبكات الكهربائية خلال فترة زمنية تسبق أول تفاعل اندماجي لمفاعل «آيتر» وقال مؤسس توكاماك إنرجي؛ ديفيد كينجهام «نهدف إلى تقديم طاقة تجارية إلى الشبكة بحلول العام 2030.»

ويعمل قسم الهندسة في شركة لوكهيد مارتن على تطوير مفاعل اندماج نووي اعتمادًا على مجالات مغناطيسية اسطوانية لحصر التفاعل عوضًا عن بناء مفاعل كالمقرر إنجازه في مشروع «آيتر.»

وتتوقع الشركة أن تصبح مفاعلاتها الاندماجية بديلًا لمفاعلات السفن الحربية والغواصات بل تركب على الشاحنات لتنشر أينما دعت الحاجة لمزيد من الطاقة. ووفقًا للشركة فإنه يمكن تركيب مفاعل اندماجي باستطاعة 100 ميجاواط على الشاحنة ما يوفر الكهرباء لمئة ألف شخص.

ويجري حاليًا تنفيذ مشروع مفاعل «ونديلشتين 7-إكس» في ألمانيا، ويستخدم المفاعل تصميمًا بديلًا عن تصميم «توكاماك» يعرف باسم «ستيلاريتور.» وعلى غرار مفاعل «آيتر» يحظى المفاعل الألماني بتمويل دولي ويخدم بصورة رئيسة البحوث التجريبية.

لم يتبين بعد أي من تلك المبادرات سيحصد ثمار الاندماج النووي أولًا، لكن الخبراء يأملون أن يمدهم الاندماج النووي يومًا بطاقة تتفوق على محطات الوقود الأحفوري ومفاعلات الانشطار النووي ما يقضي على أغلب المشكلات البيئية التي سببتها.

ويحدونا الأمل في ألا يقف بيننا وبين الطاقة النووية الاندماجية سوى بعض التحديات الهندسية المتقدمة، وقال ماديا «نعلم أن الفكرة الرئيسة واقعية تمامًا لأننا نشهد حدوثها في الشمس يوميًا.»