محاكاة جديدة

في يوم الخميس الموافق 29 من يناير/كانون الثاني الماضي لبست نظارة واقع افتراضي، فشعرت أني دخلت الماتريكس! كنت في مكتب افتراضي حوله 18 شاشة عملاقة، وهي محاكاة تُدعى «داتافيو في آر،» صُمِّمت تحديدًا للعاملين في الشؤون المالية، ورأيت على الشاشات بيانات ورسوم بيانية لم يفهمها عقلي الصحفي؛ لكنني أظن أن تعديلها ليس صعبًا لتصبح هذه المحاكاة أنسب إلى عملي، وعندها يجب أن أرى على بعض الشاشات مواقع إلكترونية، وعلى غيرها معالج نصوص، وعلى غيرها تويتر، وهكذا.

وحين أردت إنهاء جلستي في تلك المحاكاة، نزعت النظارة فإذا أنا في الأرض مجددًا، وتحديدًا في مكتب لشركة «جليمبس جروب» النيويوركية المعنية بمنصات الواقع الافتراضي، والتي تجمع رواد الأعمال لتطوير جيل المحاكاة القادم. لجليمبس جروب استثمارات في مشاريع عديدة، لكنها فوق ذلك تُطور محاكاة تعاونية لأماكن العمل، قد تحل ذات يوم محل أماكن العمل الحقيقية، فتضع عن الموظفين عبء التنقُّلات.

يرى آندي ماجيو، المحلِّل السابق بمؤسسة مورجان ستانلي والمدير العام الحالي لمشروع «داتافيو في آر» والمدير المالي لجليمبس جروب، أنّ بوسع كثيرين التشارك في حيز افتراضي واحد، متعاونين بالشاشات ذاتها أو بشاشات مختلفة، فيغوص واحد منهم -حرفيًّا- في رسم بياني ثلاثي الأبعاد لتحليل بيانات، في حين يُعِدّ غيره عرضًا تقديميًّا. ما أروع ذلك والحق يقال! إن المستقبل يبدو عمليًّا جدًّا.

خطة مكتب مفتوح

هذه الفكرة جذابة فعلًا، فكرة أن يتعاون الموظفون وجهًا لوجه -أو بصورهم التشخيصية على الأقل- من جميع أنحاء العالم من دون الاضطرار حتى إلى خلع مَناماتهم.

قال ليرون بنتوفيم، رئيس جليمبس جروب ومديرها التنفيذي، إنه يرى مستقبلًا تستثمر فيه الشركات في المكاتب الافتراضية بدلًا من الواقعية، حيث حرية الدخول والخروج، وسهولة عقد المؤتمرات في أي وقت وبأي عدد.

وأضاف «أظن أن الناس بمجرد وُلوجهم في الواقع الافتراضي يستوعبون ما فيه من حُضور. إنّ مفتاح ترويج الواقع الافتراضي كامن في ترويج ذلك الحضور؛» فالموظفون البعيدون يسعهم بدلًا من استخدام اللوحات الإلكترونية ومكالمات سكايب أن يتفاعلوا ويتعاونوا على المشاريع كأنهم حاضرون في المكان ذاته. بل توقع بنتوفيم أن يصبح الواقع الافتراضي وسيلة تواصُل حتى الشركات، فليست المسافات فيه بعقبة، ويتيح للجميع أن يتعاونوا كأنهم في غرفة واحدة.

حيرة ورَبْكة

قال ماجيو إنه يستطيع حاليًّا العمل في محاكاة «داتافيو في آر» لمدة تبلغ 90 دقيقة، لكنه يتوقع أن تطوير البرمجيات والنظارات سيجعل الناس قادرين على العمل فيها طوال مدة أعمالهم.

وأما أنا فالذي شتتني في تجربتي للمحاكاة كان: التصوير الفيديوهي للوحة المفاتيح الذي أتاح لي العمل في الواقع الافتراضي، كان غريبًا جدًّا عن البيئة الافتراضية التي كنت فيها.

في الواقع الافتراضي يكُون بدلًا من يديْك يدان افتراضيتان تُؤشِّر بهما وتنقر وتتفاعل مع البيئة الافتراضية؛ لكن كان عليّ أحيانًا ترْك جهاز التحكم في هاتين اليديْن لأستعمل لوحة المفاتيح، فأرى يديّ الحقيقيتَين في التصوير الفيديوهي؛ وكان العمل هكذا شاقًّا مربكًا بصراحة، كمحاولتك لتهذيب شعر قفاك بالنظر إلى يديك في مرآة.

عقبات

لكن بنتوفيم قال إنه إذا خُيِّر بين قضاء ساعات عمله مرتديًا نظارة من نظارات الواقع الافتراضي الحالية أو الإبقاء على تنقُّلاته إلى عمله، فسيختار الأخير، وقال «لا يتعذر عليّ الآن تصميم مكان عمل مستقبليّ متطور كهذا، فهذا ممكن، لكن تظل النظارات هي العقبة.»

يظن بنتوفيم أن الواقع الافتراضي على وشك الانتشار، لكنه يقر بأن هذا لم يحدث بعد، وإلى أن يحدث هذا فاستبدال المكاتب الافتراضية بالمكاتب الحقيقية سيكون في رأيه كبيع برنامج لأناس لا يملكون حواسيب أصلًا.

لكن بتطوير النظارات واتجاه الشركات لتقنيات الواقع الافتراضي، سيسع جليمبس جروب أن تطرح خدماتها وتجذب إليها من الناس أكثر وأكثر. ويأمل بنتوفيم أن تتطور شركته في نهاية المطاف من طرح خدماتها هذه إلى خلق شيء عالمي قابل للتخصيص الشخصي، كالهولوديك الذي كان في فيلم حرب النجوم. لكن حتى يحدث هذا سنظل على تنقلاتنا وازدحاماتنا المرورية.