لا يحدث في واقعنا ما نراه في هوليوود، فلا توجد فيه فِرَق بحثية على أتم استعداد في أي وقت للعمل عند أول بادرة لتفشي وباء عالميًّا. لكن هذا ما ينبغي أن يكون. وأكد على ذلك بيل جيتس في محاضرة «شاتُك» التي ألقاها اليوم في جمعية ماساتشوستس الطبية، موضحًا استعداده لتقديم 12 مليون دولار للمساعدة على تحقيق ذلك.

في كل عام تُقيم جمعية ماساتشوستس الطبية بالتعاون مع مجلة نيو إنجلاند الطبية فعالية تضم استشاريِّين ومتحدثين لمناقشة موضوع محدَّد متعلق بالصحة، وكان موضوع هذا العام: الأوبئة؛ ومَن أفضل قِيلًا في هذا الموضوع مِن بيل جيتس الذي تسعى مؤسسته إلى مكافحة بعض أكبر تهديدات الصحة العامة، كفيروس نقص المناعة والملاريا؟ وأثناء المحاضرة وجه جيتس الأنظار إلى ماضي تأهُّبنا لتفشي الأوبئة وحاضره ومستقبله، والخلاصة: لقد قطعنا شوطًا طويلًا، لكن السبيل أمامنا ما زال طويلًا.

في 1889 كانت إنفلونزا روسيا أول جائحة إنفلونزية تتفشى عالميًّا، وبعد عدة عقود أدت جائحة إنفلونزا العام 1918 إلى مقتل 675,000 إنسان في 5 أسابيع فقط. لكن الأمر الإيجابي أن لدينا اليوم لَقاحات وعقاقير ووسائل تشخيص تساعدنا على مواجهة تفشِّي الأوبئة بكفاءة أعلى من قبل، لكن ما زال ينقصنا الكثير في رأي جيتس.

ذكر جيتس فيروس «إنْ 1 إتش 1» الذي تفشى في 2009، وفيروس الإيبولا الذي تفشى مؤخرًا في غرب إفريقيا، مشيرًا إلى أن العالم لم يستجب بسرعة كافية في الحالتين، ولم يتتبع الفيروسيْن بكفاءة أثناء تفشيهما، وبين أن الأنظمة الصحية انهارت ومات الناس نتيجة لعدم التأهب؛ وقال «يحتاج العالَم إلى التأهُّب لهذه الجوائح بالجدية ذاتها التي يُتأهَّب بها للحروب.»

ومن السبُل إلى ذلك: تطوير أسلحة أقوى لمواجهة حالات التفشي، ولتحقيق هذا أطلقت مؤسسة «بيل ومليندا جيتس» بالتعاون مع أسرة لاري بيدج (مدير ألفابِت التنفيذي، والمؤسس المشارك لجوجل) تحدي «تطوير لقاح إنفلونزا عالمي.»

جاء في موقع التحدي الإلكتروني أن الهدف: التوصل إلى «حل عالمي ثوري» لمواجهة كل من الإنفلونزا الموسمية والجوائح الإنفلونزيّة؛ فتقديرات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الإنفلونزا الموسمية تقتل 290-650 ألف إنسان سنويًّا، وأن الجوائح الإنفلونزيّة قد تكون أشد فتكًا وإن كانت أقل شيوعًا.

وستمنح المؤسسة المقترحات المبشّرة مبالغ تمويلية تتراوح بين 150,000 دولار ومليونيْ دولار على مدى عامين، وبعدئذ سيتسنى للمشاريع التي «ستقدم بيانات واعدة تُثبت فكرتها» (كأنْ تنجح مع النماذج الحيوانية) التقدُّم للحصول على الجائزة الكبرى لإجراء مزيد من الدراسات، وتبلغ قيمة تلك الجائزة 10 ملايين دولار.

تطمح مؤسسة جيتس إلى بلوغ هدف رفيع بسرعة إذ توجه نظرها إلى لقاح إنفلونزا عالمي -لا إلى لقاح قد يعالج سلالات إنفلونزية معينة، أو لقاح قد ينجع في مجتمعات معينة-، وتريد أن يكون جاهزًا للاختبارات السريرية بحلول 2021. فصحيح أن عالمنا الحالي لا يشبه العوالم الهوليوودية، لكن إن نجحت هذه الجهود فقد نتمكن من الارتقاء إلى تلك العوالم في المستقبل القريب.