ثورة الذكاء الاصطناعي

كل يوم تظهر أخبار جديدة من مصادر لا تُعد ولا تحصى في جميع أنحاء العالم، تحذِّر الناس من عواقب الذكاء الاصطناعي الوخيمة أو تعدهم بالمستقبل المشرق الذي سيجلبه لهم؛ فنرى في صحيفة وُول استريت أن «الذكاء الاصطناعي يغيِّر حاليًّا طبيعة أماكن العمل،» ونرى في مجلة فورتشن أن «الذكاء الاصطناعي يقود ثورة ستغير حياتنا؛» ومع ذلك لم نستوعب بعد كيف ينبغي أن نتفاعل معه.

لكن لدينا ما يسعنا الاعتماد عليه في تكوين نظرتنا إليه: فهمنا ونظرتنا إلى الحيوانات. أنا الآن أدْرس كيف يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي، لكني كنتُ من قبل مدربة حيوانات (وإن كان هذا لفترة وجيزة)، وهو ما جعلني أدرك أن لنا في الحيوانات وطريقة تدريبها مُعلِّمًا يسعه أن يعلِّمنا أشياء كثيرة عن الكيفية التي ينبغي أن ننظر بها إلى الذكاء الاصطناعي ونتفاعل بها معه، حاليًّا ومستقبليًّا.

يسع التمثيل الحيواني أن يساعد العوامّ على استيعاب عديد من جوانب الذكاء الاصطناعي المعقدة؛ ويسعه أن يساعدنا على التفكير في أفضل السبل إلى تعليم تلك الأنظمة مهارات جديدة، والأهم: أن يساعدنا على تصوُّر حدود قدراتها بصورة صحيحة، حتى وإن أبهرتنا بما تكتسبه بسرعة من قدرات جديدة.

الحدود

أوضحت ماجي بودين، إحدى خبيرات الذكاء الاصطناعي، أن «غاية مجال الذكاء الاصطناعي جعْل الحواسيب قادرة على فعل ما تفعله عقولنا؛» فنجد الباحثين يعلِّمون الحواسيب التفكير والإدراك والتخطيط والحركة وتكوين روابط كالروابط الذهنية، ونجد أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على: العثور على الأنماط في مجموعات كبيرة من البيانات، وتوقُّع احتمالية حدوث شيء معيَّن، وتخطيط المسارات، وتنظيم جدول اجتماعات المرء، وغير هذا كثير.

ربما لا يرى المرء في تلك القدرات مفاجأة، فما المفاجأة في قدرة الروبوتات على السير في منطقة دون اصطدام؟ لا ريب أنها تستطيع هذا؛ ومع ذلك يبدو الذكاء الاصطناعي كالسحْر حين تبدأ الحواسيب استغلال تلك المهارات مجتمعةً لإنجاز مهمة محدَّدة.

ولْنضرب بالسيارات المستقِلة مثلًا: ترجع فكرة تلك السيارات إلى مشروع أطلقته وكالة «داربا» (وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية) في الثمانينيّات اسمه «المركَبة الأرضية المستقلة،» بهدف حفز البحث في مجال التحكم الآلي والرؤية الحاسوبية؛ وفي العام 2004 تطورت جهود المشروع إلى «التحدي الكبير» الأوّل في مجال السيارات المستقلة؛ واليوم -بعد أكثر من 30 عامًا من بدء تلك الجهود- صارت السيارات المستقلة على أبواب الأسواق المدنية، وهذا شيء عدّه البعض مستحيلًا في البداية: فالحواسيب لا تستطيع القيادة! لكن بات واضحًا أنها تستطيع!

يَسهل نسبيًّا استيعاب قدرات السيارات المستقلة، لكننا نواجه صعوبة في استيعاب حدودها؛ فحتى بعد وقوع حادثة «تسلا» المميتة في العام 2015 بسبب فشل نظام «أوتوبايلوت» (الربان الآلي) في استشعار عبور شاحنة وهي تدخل حارتها، ما زال غائبًا عن معظم الناس مدى محدودية برنامج «أوتوبايلوت؛» صحيح أن «الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة مرور الطرق السريعة» برّأت ساحة الشركة وبرنامجها من تهمة الإهمال، لكننا ما زلنا لا نعلم هل يدرك العملاء ما تستطيعه تلك السيارات المستقلة وما لا تستطيعه؟

لكن ما الذي كان سيحدث لو لم تخبر «تسلا» زبائنها بأن نسخة «أوتوبايلوت» في سيارتها: هي « نسخة بيتا،» وأخبرتهم بأنها سيارة شبه مستقلة لها ذكاء دودة، وأن «الذكاء» الذي سيمنح السيارة «قدرة تامة على القيادة الذاتية» سيكون حاسوبًا جبارًا له قدرة عالية على استشعار الأجسام واجتنابها وتعرُّف عناصر الصور والتخطيط المحدود؟ ألن يغير هذا نظرة العملاء إلى تلك السيارات وما تستطيع فعله بلا تدخُّل أو إشراف بشري؟

الشرح والتبسيط

يحاول التقنيون عادة شرح تقنيات الذكاء الاصطناعي من ناحية تصميمها، ولنتخذ مثلًا من التقدم المحرَز في مجال «التعلم المتعمِّق»، فهو تقنية تعتمد على شبكات متعددة الطبقات لتعلُّم كيفية إنجاز مهمة معينة، ويلزم هذه الشبكات معالجة كمية هائلة من المعلومات؛ لكن غالبًا يصعب على البشر فهْم كيف تتعلم تلك الأنظمة ما تفعله، بسبب حجم البيانات الهائل الذي تتطلبه، وتعقّد روابط الشبكات وخوارزمياتها؛ أي إن تلك الأنظمة قد تكون عالية الكفاءة في أداء مهمة محدَّدة، لكننا لا نستوعب كنْهها تمامًا.

ولذا فالأسهل أن نمثِّل الذكاء الاصطناعي بالحيوانات، بكائنات ذكية غير بشرية لنا خبرة بتدريبها، بدلًا من أن نعدّ الأنظمة الذكية في حكم الكائنات الفضائية.

فمثلًا إن كنتُ سأستخدم التعليم المُعزَّز لتدريب كلب على القعود، فسأشِيد بامتثاله أمري وسأكافئه على هذا، وبمرور الوقت سيتعلم ربط الأمر اللفظي والسلوك والمكافأة.

ولنا أن نتبع الشيء ذاته في تعليم الذكاء الاصطناعي؛ ففي التعليم المتعمِّق المعزَّز سيصمِّم المرء نظامًا ذكيًّا، ويضع تصوُّرًا لما يريد من هذا النظام تعلُّمه، ويمنحه المعلومات اللازمة، ويراقب فعله، ثم يمنحه تغذية راجعة (كمكافأة) عندما يرى منه ما يريده؛ أي إننا نستطيع أن نعامل الأنظمة الذكية كما نعامل الحيوانات التي ندربها.

ويَصلح هذا التمثيل على مستوى أعمق من هذا أيضًا، فأنا لا أتوقع من ذلك الكلب أن يستوعب مفاهيم معقدة كالحُب أو الخير، بل أتوقع منه أن يتعلم فعلًا محدَّدًا؛ والأنظمة الذكية كذلك، نستطيع تعليمها قيادة السيارات في الطرق العامة، لكننا نكُون مفْرطين إن توقعنا من السيارة أن تحُل المعضلات الأخلاقية التي قد تنشأ في طوارئ القيادة.

مساعدة الباحثين

النظر إلى الذكاء الاصطناعي من هذه الزاوية لن يساعد على تبسيطه للعوامّ فحسب، بل سيساعد الباحثين والمهندسين أيضًا الذين يصممون تلك الأنظمة؛ فحين يحاول أحدهم تعليم نظام مهارة جديدة، سيساعده النظر إلى النظام نظرة مدرب حيوانات على تحديد المشكلات المحتمَلة.

فمثلًا إن حاولتُ تدريب كلبي على القعود، وكل مرة أقول فيها «اقعد» يرنّ جرس الفرن، فلن يربط الكلب بين القعود وأمري اللفظي فقط، بل سيربط بينه وبين صوت جرس الفرن أيضًا؛ أي إن الجرس سيصبح إشارة أخرى تأمر الكلب بالقعود، وهذا يُدعى «التعزيز العَرَضي؛» وإذا بحثنا عن التعزيزات -أو الإشارات- العرَضية في الأنظمة الذكية التي لا تعمل كما يرام، فلن نعلم ما بها من أخطاء وحسب، بل سنعلم أيضًا أكفأ وسيلة لإعادة تعليمها وتدريبها.

سيتطلب منا هذا أن ننتبه لما يصدر منّا أثناء تدريب النظام الذكي، ولما قد يلاحظه هذا النظام في البيئة المحيطة؛ فجرس الفرن مثال بسيط، لكن الواقع قد يكون أشد تعقيدًا.

علينا قبل أن نرحب بالذكاء الاصطناعي ونضع حيواتنا ووظائفنا بين أيدي الروبوتات أن نتمهل ونفكر في كنه الأذكية التي نطورها. ستتمكن تلك الأذكية من إنجاز مهمات معيَّنة وفعل أشياء محدَّدة، لكنها لن تستطيع استيعاب المفاهيم أو تعلم كنه شيء؛ ولذلك عليك حين توشك أن تدفع من أموالك أُلوفًا لشراء سيارة من سيارات «تسلا» أن تتذكر أن نظام «أوتوبايلوت» فيها ليس أكثر من دودة سريعة؛ أفتُريد أن تعلق مصيرك ومصاير أحبابك بدودة؟ لا على الأرجح.. فلا تترك المِقوَد إذن ولا تغفُ أثناء القيادة!