نظرة إلى المستقبل. سيُلزِم الباحثون الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي بالقاعدة ذاتها المفروضة على طلاب الرياضيات في جميع المدارس الثانوية: لا يُحصل على الدرجة إلا بتبيين خطوات العمل وتفصيلها؛ ففي الجمعة الماضية كشفت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) -وهي وكالة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، معنية بالتقنيات المتقدمة- عن برنامجها «استكشاف الذكاء الاصطناعي،» وهو برنامج سينظِّم تمويل الوكالة لأبحاث الذكاء الاصطناعي وتطويره، مع التركيز في الموجة الثالثة من التقنيات الذكية (وهي التقنيات التي تستطيع فهْم كيفية وصولها إلى إجابة معينة وشرح تلك الكيفية).

الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي. تندرج معظم التقنيات الذكية التي نستخدمها حاليًّا تحت فئة الجيل الأول، وهي تقنيات يتبع ذكاؤها الاصطناعي قواعد منطقية واضحة (كخوارزميات الشطرنج الذكية)؛ وأما الجيل الثاني منها فهي التي تستطيع الاعتماد على التعلم الإحصائي للتوصُّل إلى حل مشكلة معينة (كأنظمة تعرُّف الصور).

أما أنظمة الجيل الثالث فلن تفعل ما تفعله أنظمة الجيل الثاني وحسب (كتحديد صورة كلب مثلًا)، بل ستكون قادرة على توضيح السبب الذي جعلها تقرر أن تلك الصورة صورة كلب، كأنْ تشير إلى أن كلًّا من سيقان الحيوان الأربع وذيله ورُقَطه يوافق ما تعرفه عن شكل الكلب. بعبارة أخرى: لن تتوقف قدرتها عند حد إعطاء الإجابة الصحيحة، بل ستكون قادرة على تبيين خطوات وصولها إلى تلك الإجابة.

قال جون لونشبري، مدير مكتب ابتكار المعلومات التابع لداربا، في فيديو نشرته داربا إن تلك الأنظمة يُفترض أن تكون قادرة على التعلم من بيانات أصغر جدًّا من البيانات التي تتعلم منها أنظمة الجيل الثاني؛ فبدلًا من تغذية ذكاء اصطناعي بنحو 100 ألف صورة مثلًا لتعليمه كيفية تمييز الكتابة اليدوية، قد يصبح كل ما علينا أن نعرض عليه مثالًا توليديًّا واحدًا أو مثالين (المثال التوليدي: هو الذي يوضِّح كيفية رسم كل حرف)، فيَعتمد حينئذ على المعلومات السياقية تلك لتمييز الكتابة اليدوية في المستقبل.

والواقع أن أنظمة الجيل الثالث تلك «ستفكر،» بدلًا من تقديم الأجوبة بناءً على مجموعات البيانات التي غُذِّيَت بها (والتي قد يكون فيها تحيزات مطوِّريها، كما رأينا)؛ وأخيرًا ستكون الخطوة التالية: تطوير أنظمة ذكية قادرة على التفكير بمنطقية والانخراط في التفكير المجرَّد، وهذا قد يحسِّن طريقة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.

تمويل أبحاث الموجة الثالثة. إليك النهج الذي يأمل مسؤولو برنامج «استكشاف الذكاء الاصطناعي» أن يسرِّعوا به الوصول إلى الموجة الثالثة من الذكاء الاصطناعي: في البدء ستعلن الوكالة بصورة دورية بيانًا تدعوه «فرصة استكشاف الذكاء الاصطناعي،» وسيسلِّط هذا البيان الضوء على فرع من فروع أبحاث الموجة الثالثة للذكاء الاصطناعي.

وللباحثين بعدئذ تقديم اقتراحات مشاريع لداربا، فتراجعها الوكالة، ويُحتمل أن تموِّل الباحث منهم بما يصل إلى مليون دولار؛ والهدف: جعْل الباحثين يبدؤون المشاريع في غضون 90 يومًا من لحظة إعلان «فرصة استكشاف الذكاء الاصطناعي،» وتحديد إمكانية تنفيذ الاقتراح أو عدمها في غضون 18 شهرًا.

الاهتمام بالذكاء الاصطناعي. ليس هذا إلا أحدث مثال على تزايد اهتمام الجيش الأمريكي بالذكاء الاصطناعي، إذ زادت مشاريعه الخاصة بالذكاء الاصطناعي مؤخرًا، فكان منها: مشروع أنظمة ذكية تُحلِّل التصاوير لتحسين هجمات الطائرات التي تطير بلا طيار، ومشروع أنظمة أخرى تعمل كما الدماغ البشري؛ وفي الشهر الماضي افتَتحت وزارة الدفاع المركز المشترك للذكاء الاصطناعي: مركز يهدف إلى مساعدة الوزارة على دمج الذكاء الاصطناعي في أعمالها العسكرية والتجارية.

وسيساعد هذا المركز وبرنامج «استكشاف الذكاء الاصطناعي» على إيلاء السرعة مزيدًا من الأهمية، وهي خطوة ذكية من وزارة الدفاع بلا ريب، نظرًا إلى تنافس مختلف الدول في ريادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي.