باختصار
  • أدت كفاءة التصنيع وتوفر الموارد إلى إنتاج فائضٍ غير مسبوقٍ من المواد عالمياً، وأصبحت الملكية الشخصية طريقةً لتحديد هوية الشخص.
  • تقوم الشركات بدفع أجور النفاذ إلى الخدمات بدلاً من شراء الرخص الدائمة للبرمجيات المكتبية. والآن، انتقل هذا النموذج إلى العالم المادي.

تعودنا في القرن العشرين على منهجية تفكيرٍ معينة: إذا احتجت شيئاً، قم بشرائه، سواء كان منزلاً، سيارةً أو أسطوانةً غنائية. وأدت كفاءة التصنيع وتوفر الموارد إلى إنتاج فائضٍ غير مسبوقٍ من المواد عالمياً، وأصبحت الملكية الشخصية طريقةً لتحديد هوية الشخص.

وما زالت هذه المنهجية مستمرةً اليوم: فشراء وامتلاك الأشياء هو جزءٌ كبيرٌ من طريقة عيشنا. لكن توجد أشياء تغيرت بشكلٍ ملحوظ؛ إذ لم يعد معظمنا يشتري الأقراص الليزرية، ولم يعد الشباب يشترون السيارات، وقلت مبيعات الكتب الورقية، وتوجد كثيرٌ من الأشياء التي لم نعد نشتريها ونقتنيها في منازلنا.

على سبيل المثال، لنلق نظرةً على ما يحدث حالياً في عالم الموسيقا. ما زال الفنانون يصدرون الألبومات، لكن توجد قلةٌ من الناس الذين يشترون نسخاً ماديةً منها. وبدلاً من ذلك، يمكنهم شراء تلك الأغاني بشكلٍ رقميٍ عبر متجر iTunes، حتى أن عدداً متزايداً من الناس يقومون بالاستماع إلى الأغنية عند الطلب فقط (on-demand). أصبحت الموسيقا متاحةً للاستماع، دون امتلاكها. وينطبق الأمر ذاته بالنسبة للأفلام، فقبل عشرة أعوام كنا نشتري أقراص DVD من أجل مشاهدة الفيلم مراراً وتكراراً، لكننا اليوم نشاهده على شبكة نيتفليكس بشكلٍ مباشر.

هذه هي البداية فقط، إذ تصبح الأمور أكثر متعةً حين التكلم عن السيارات عوضاً عن الموسيقا. كيف سيكون شكل الحصول على سيارةٍ عند الطلب؟ يمكن أن تقول: لدينا سيارات التاكسي. لكن التاكسي لا تشابه التعامل مع نيتفليكس. كيف ستنسجم مع فكرة سيارتك بدون امتلاكها؟

هنا يأتي نموذج النقل-كخدمة (MaaS) الذي يوفر التنقل دون امتلاك وسيلة النقل. تتطلب الخدمة أجراً شهرياً، وكما تعمل خدمة سبوتيفاي، ستخبر التطبيق إلى أين ستذهب وستحصل على توصيلتك باستخدام التاكسي أو سيارة أوبر أو الباص. سيكون كل شيء متاحاً عند الطلب، ولم نعد بحاجة إلى الملكية الشخصية.

تُعد طريقة النقل-كخدمة جزءاً من التوجه العام الذي يُطلق عليه اسم نموذج "كخدمة" (as a service)، والذي بدأ كفكرةٍ بسيطةٍ في مجال تطوير البرمجيات، حيث تقوم الشركات بدفع أجور النفاذ إلى الخدمات بدلاً من شراء الرخص الدائمة للبرمجيات المكتبية. والآن، انتقل هذا النموذج إلى العالم المادي، حيث تعمل كلٌ من شركات أوبر، إير-بي إن بي، نيتفليكس وسبوتيفاي، بنموذج "كخدمة".

أوبر
أوبر

يصبح نموذج "كخدمة" ملائماً جداً عند ازدياد عدد الحساسات التي تحيط بنا، ويطلق عادةً على هذا التطور اسم "إنترنت الأشياء". لكن نظراً لاختفاء المنتجات وازدياد استخدام نماذج "كخدمة"، سننتقل حتماً إلى مفهوم "إنترنت اللاأشياء".

ما هو الجديد إذن في نموذج "كخدمة"؟ لماذا يعدّ التخلّي عن ملكية الأشياء؛ جيداً؟ هناك سببان رئيسيان لذلك: أولاً، تجعلنا الملكية الشخصية كسولين. ثانياً، لن يبقى كوكب الأرض على قيد الحياة مع استمرارنا باستنزاف موارده.

عندما نشتري شيئًا فإننا نمل منه بسهولة، حتى أننا ننسى وجوده بعد مدة، أو ربما نستخدمه لمجرد امتلاكنا له. يعتمد مفهوم "عند الطلب" على استخدام الأشياء عند الحاجة إليها فعلاً، وهو يؤدي إلى استخدامٍ أكثر فعاليةٍ للموارد. على سبيل المثال: تعمل شركة إيربي إن بي على استخدام نفس الشقة من قبل العديد من الأشخاص، وتعمل أوبر على استخدام نفس السيارة من قبل العديد من الأشخاص أيضاً.

يتطلب تصنيع سيارةٍ أو بيتٍ أو هاتف ذكي الكثير من الموارد، والتي تنضب من كوكبنا يوماً بعد يوم. لذا يبدو نموذج "كخدمة" واعداً جداً. ففي المستقبل، يمكن لهذا النموذج أن يغير بعض المساحات غير المتجددة - حالياً - في حياتنا، كالسكن والتنقل والاتصالات.

هل تتخيل عالماً بدون وجود هاتفٍ ذكيٍ في جيبك، تستخدم عوضاً عنه خدمة اتصالاتٍ مأجورة؟ يبدو ذلك خيالاً علمياً، لكن أصبح هناك شركاتٌ حول العالم تقدم خدمات السكن، وحتى "المدينة الذكية كخدمة". عالمٌ بدون هواتف ذكية؟ حتماً سيحدث ذلك يوماً.