لدى تفكيرنا بالقطب الشمالي، لعل أول ما يتبادر إلى أذهاننا الجليد والدببة القطبية، وربما نستثني الأشجار من تفكيرنا، ولكن هل من الممكن أن يتغير ذلك؟

أظهرت تجربة حديثة تجريها وكالة الإدارة الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) أن الكربون في النظم البيئية لمنحدرات التندرا الشمالية في ألاسكا، بات يقضي في التربة المتجمدة وقتًا أقل بنسبة 13% من الوقت الذي كان يقضيه قبل 40 عامًا.

وأشارت دراسة تشرف عليها ناسا بالاعتماد على بيانات التجربة التي تحمل اسم حساسية القطب الشمالي (ABoVE) إلى أن دورة الكربون في القطب الشمالي باتت أسرع، ما يعني أن المنطقة تتجه بسرعة لتكون ذات خصائص مشابهة لغابات أمريكا الشمالية الباردة، أكثر من كونها منطقةً جليدية قطبية.

وتبقى أراضي التندرا الشاسعة، دائمة التجمد، بسبب درجات الحرارة المنخفضة، وسط ظروف قاسية لا تسمح بنمو النباتات، باستثناء أنواع محددة من الحشائش والشجيرات المقاومة للبرد، وتغيب الأشجار المرتفعة ذات الجذور العميقة المنتشرة جنوبًا في ألاسكا الداخلية والمعروفة باسم غابات التايغا أو الغابات الداخلية.

وتمثل التجربة حملة ميدانية لبرنامج بيئي أرضي تجريه ناسا على نطاق واسع في مناطق ألاسكا وغرب كندا، بالاستعانة بأجهزة استشعار عن بعد وبيانات أقمار اصطناعية، لدراسة التغير البيئي وآثاره.

وتهدف التجربة لاكتساب فهم أفضل لضعف النظم البيئية ومدى مرونتها، وتوفير الأساس العلمي لاتخاذ قرارات مبنية على قاعدة علمية لتوجيه الرأي العام من المستوى المحلي إلى المستوى الدولي؛ وفقًا للموقع الإلكتروني للتجربة.

وقال أحد المشاركين بالدراسة، الباحث أنتوني بلوم، من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا في ولاية كاليفورنيا، إن «ارتفاع درجات الحرارة في التندرا يعني أننا نمتلك نظامًا بيئيًا اكتسب خصائص نظام بيئي مختلف وهو نظام الغابات الشمالية.»

وأضاف «تؤثر مجموعة من العوامل المختلفة على سرعة استمرار التحول، ولاحظت الدراسات المعتمدة على صور الأقمار الاصطناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد والقياسات الميدانية، وجود هجرة للأشجار والشجيرات باتجاه الشمال خلال العقود الماضية.»

ولا يقتصر الأمر على الأشجار فقط، لأن دورة الكربون في القطب الشمالي تمثل توازنًا دقيقًا بين الكربون المنبعث في الغلاف الجوي والكربون المُزال منه، وأي خلل في هذا التوازن ستتجاوز آثاره حدود القطب الشمالي.

ويتسبب ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف بتسخين الطبقات العليا للتربة الصقيعية، ما يسمح للميكروبات بتكسير المادة العضوية المجمدة، لينطلق غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وتسهم العملية في ازدياد نمو النباتات التي تزيل بدورها ثاني أكسيد الكربون من الجو. لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى انخفاض الفترة الزمنية لتخزين الكربون في التربة القطبية.

وقال سوجونغ جيونج المؤلف الرئيس للدراسة والباحث السابق في مختبر الدفع النفاث وباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة سيؤول الوطنية إن «التوازن بين المتغيرَين سيحدد إمكانية مساهمة النظم البيئية في القطب الشمالي، بإزالة أو زيادة الكربون في الغلاف الجوي مستقبلًا.»

وأضاف إن «دراستنا رجحت زيادة الكربون في الغلاف الجوي، ما سيؤدي لحصول تغيرات موسمية طويلة الأمد ستكون أسرع وأكثر وضوحًا في المستقبل.»

ولأكثر من أربعة عقود، جمع الباحثون بيانات من مرصد ألاسكا التابع للإدارة المحلية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي عن كمية الكربون، مع نموذج معياري لتوازن الكربون في النظم البيئية لتحديد معدل تحرك الكربون داخل وخارج منحدر ألاسكا الشمالي.

وأشارت البيانات حينها إلى ارتفاع ملحوظ في سرعة دورة الكربون، إلا أن صور الأقمار الاصطناعية طويلة المدى والبيانات الجوية، أثبتت استخفاف البيانات السابقة بمدى خطورة زيادة الكربون في المنطقة.

وتسبب الاحتباس الحراري في الآونة الأخيرة بتغيرات ملحوظة في القطب الشمالي، وتسبب في إطلاق غازات بقيت لقرون حبيسة التربة الصقيعية، وحرر ذوبان الجليد في بعض المناطق مجتمعات ميكروبية ساهم نشاطها المستحدث في إنتاج كميات كبيرة من الميثان وإطلاقها في الجو، ما دفع العلماء لتكثيف دراساتهم حول القطب الشمالي لفهم انعكاس ما يحدث فيه على التغير المناخي حول العالم.