التوقيت عامل محوري

تتطلب مراقبة الأجرام الفضائية بدقة أفضل وأجدى بكثير، الاعتماد على تلسكوبين أو أكثر لرصدها، إذ يتيح رصد أحد الأجرام باستخدام عدة تلسكوبات راديوية توجد في مواقع مختلفة وفي الوقت ذاته، إمكانية جمع معلومات عن موقعه وخصائصه الأخرى يتعذر الحصول عليها بتلسكوب واحد فقط.

ويتطلب إنجاز هذه العملية بدقة لا بد أن تعمل هذه التلسكوبات الراديوية بتزامن دقيق تمامًا، وتوصلت دراسة حديثة إلى طريقة تحقق هذا التزامن المطلوب بتكلفة أقل وبساطة أكثر من الطريقة التقليدية.

وتتطلب مصفوفات قياس التداخل مديد القاعدة التي تستخدمها شبكات التلسكوبات في علم الفلك الراديوي مصدر تردد ثابت في كل تلسكوب راديوي. ويمثل ميزر الهيدروجين الساعة الذرية الأكثر استخدامًا لتنفيذ هذه المهمة. لكنه جهاز باهظ التكلفة بسبب الآلية المتطورة التي يتطلبها تحقيق هذا المستوى من الدقة.

تعاون باحثون من معاهد أسترالية متعددة لتحقيق هدفهم بإيجاد مصدر لتردد ثابت باستخدام ساعة ذرية واحدة في تلسكوب واحد. وبدأ الفريق أولًا بدمج مصدر التردد الراديوي من الساعة الذرية في مصفوفة تلسكوب أستراليا المدمج «كسيرو» في شعاع ليزر، وأرسلوه إلى تلسكوب راديوي آخر يبعد نحو 155 كيلومترًا، ليعود مرة أخرى عبر شبكة اتصالات الألياف البصرية.

وعاير الفريق باستخدام مصدر التردد الثابت تلسكوبين راديويين واعتمدهما لرصد جرم في الفضاء. وتوصل الباحثون إلى أن العامل الذي يحد من قدرات هذين التلسكوبين كان الاختلاف الجوي بين موقعيهما وليست إشارة التردد الثابت.

وقال «كين بالدوين» المؤلف المشارك نائب مدير البحوث في كلية البحوث الفيزيائية والهندسية في الجامعة الوطنية الأسترالية، «يبقى قياس التداخل مديد القاعدة عملية محدودة بسبب التشوهات في الغلاف الجوي، والتي تؤثر على وصول الموجات الراديوية، بالطريقة ذاتها التي تؤثر بها على درجة لمعان النجوم. والفرق الرئيس الذي أحدثناه هنا أن دقة توقيت طريقتنا تتفوق بنسبة كبيرة على تأثير تشوهات الغلاف الجوي، وبهذا يحقق الفلكيون أداءً جيدًا يماثل الطرائق المتبعة حاليًا.»

ولم يكن لهذه التجربة أي تأثيرات سلبية تذكر على نقل المعلومات وتبادلها باستخدام شبكة الألياف البصرية. وقال بالدوين في بيان صحافي، «أثبتت تجربتنا العملية في استخدام الألياف البصرية أن نقل التردد الثابت لا يؤثر على البيانات أو المكالمات الهاتفية على القنوات الأخرى، وهذا مهم جدًا لخطط التعاون المستقبلية مع شركات الاتصالات التي تمتلك شبكات الألياف البصرية.»

اكتشاف فضاء أوسع

تحققت أهم إنجازاتنا في مجال علم الفلك بفضل مصفوفات التلسكوبات، وتلوح الآن في الأفق مشاريع أخرى لإنجاز مصفوفات جديدة وأكثر تطورًا؛ إذ سيبدأ العام الجاري العمل على بناء أكبر تلسكوب راديوي في العالم «سكوير كيلومتر أريه» وسيمتد هذا التلسكوب الراديوي العملاق عبر أستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا. وسيتيح عند إنجازه مجال مراقبة أوسع للكون، وإمكانية إجراء اختبارات أكثر على نظرية النسبية العامة.

وستتاح للعلماء بفضل هذا البحث الجديد طريقة أسهل وأبسط لتحقيق المزامنة الدقيقة التي تدعم مصفوفة التلسكوب. فضلًا عن أن هذه الطريقة ستختصر تكاليف الإنشاء بسبب وجود شبكات الاتصالات مسبقًا، ما سيسهل جدًا من عمليات المراقبة الفلكية باستخدام مصفوفات قياس التداخل مديد القاعدة في مشاريع البحوث والرصد الفلكي.

وقال بالدوين في البيان الصحافي «لم يعتقد أحد عند اختراع الساعة الذرية أنها ستزودنا بمعايير توقيت ستُعتمد في نظام جي بي إس. ونأمل أن يحدث الشيء ذاته عبر حجز ترددات ثابتة لاستخدامها في تطبيقات عدة تتطلب التوقيت الدقيق ومقاييس ترددية دقيقة.»

سيكون العام 2018 واعدًا إذا تمكن الباحثون من تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الطريقة الجديدة، وقد نسجل اكتشافات فلكية مذهلة أكثر مما شهدناه العام الماضي.