موجة برد

بسبب درجات الحرارة المنخفضة في الولايات المتحدة الأمريكية  التي لم يسبق لها مثيل ظهرت موجة من العناوين الإخبارية تقول إنها حاليًّا أبرد من المريخ ذاته؛ بل يبدو أن هذا صار طقسًا سنويًّا تقريبًا: فمجلة ذي أتلانتيك نشرت عن ذلك مقالة في 2017، وغرّد عنه حساب كيوريوسيتي روفر التابع لوكالة ناسا منذ عدة أَشْتِيَة.

لكن ما معنى «أبرد من المريخ»؟ أتعنى أن أصدقاءك في الغرب الأوسط الأمريكي اجتازوا هكذا المرحلة الأولى من التدرب على العيش في المريخ -بافتراض نجاتهم من الدوامة القطبية؟ لا. إن الحرارة قد تكون درجتها المئوية في مدينة نيويورك 10، وتظل عبارة «أبرد من الكوكب الأحمر» صحيحة، بل قد تصل في ميامي مثلًا إلى 29 درجة مئوية، وتظل العبارة صحيحة!

هجوم المريخ

اعلم أن للمريخ غلافًا جويًّا مليئًا بثاني أكسيد الكربون، وهو غلاف رقيق، بل إنه تقريبًا جزء من 100 جزء من غلاف الأرض الجوي؛ وهذا يعني أنه لا يمكنه حبس كثير من الحرارة، ومن أجل هذا يُظن أن حرارته منخفضة جدًّا دائمًا؛ وهذا بعيد من الدقة. ذكرت دائرة الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية أن مُدُنًا في مينيسوتا وداكوتا الشمالية نزلت حرارتها الأسبوع الماضي إلى -51 درجة مئوية أو ما هو أدنى؛ أفهذا أبرد من المريخ؟ نعم، لكن بلا تعميم، أي لا يقال إنها هكذا أبرد من المريخ كله في يوم مريخي عادي.

وإليك مخطَّطًا أعدتْه ناسا للتبسيط.

صغائر لا يُلتفت إليها

في الأيام المريخية العادية تصل الحرارة إلى -60 درجة مئوية في بعض المناطق المريخية، فتكون حينئذ أبرد من مينيسوتا حاليًّا؛ لكننا ننظر هكذا إلى جزء صغير من نطاق حراري كبير يشهده المريخ، ففي الشتاء قد تنزل الحرارة لدى القطبين إلى -125 درجة مئوية، وأما في الصيف فقد تصل الحرارة لدى خط الاستواء المريخي إلى 20 درجة مئوية، بل سجلت ناسا حرارة بلغت 30 درجة مئوية، هي أعلى درجة سجلتها إلى الآن؛ وإنما من أجل هذا يجوز أن يقال إن منطقة أرضية ما أبرد من المريخ في أي وقت من العام.

أوضح مايكل ميشنا، عالم الأبحاث في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، في حوار له مع مجلة ذي أتلانتيك أن المقارنة دقيقة بلا شك، لكن يُغفَل فيها عامل مهم جدًّا: إذا افترضنا أن الحرارة الأرضية 10 درجة مئوية، وأن المريخية مثلها، فلن يتماثل شعور الجسم الإنساني في الحالتين، لرقة الغلاف الجوي المريخي وقلة بخار الماء فيه.

وقال «إن نزلتَ بحمام سباحة حرارته 21 درجة مئوية مثلًا، فسيكون على جسمك أبرد كثيرًا من مجرد الوقوف في غرفة لها الحرارة ذاتها؛ لأن الماء يمتص من جسمك الحرارة.» وبعبارة أخرى: بقلة الجزيئات المائية القادرة على امتصاص حرارتك، يقل إحساسك بالبرد، «فالحرارة البالغة -73 درجة مئوية على المريخ لا يشعر الإنسان إلا كأنها حرارة أرضية تبلغ -34 درجة مئوية.»

وبعد، فالمريخ كغيره من الكواكب، يشهد مختلف درجات الحرارة المتوقفة على الموقع والزمن، بل فيه مواسم مناخية كالأرض، لميل محوره؛ ولهذا يسهل أن تُلقَى عبارة «أبرد من المريخ» فتقع في محلها، لكنّ الواقع أن مناخه متغير وفق عامل دقيقة كثيرة  لها أبلغ الأثر في عدم دقة هذه المقارنة من الأساس.