يعرف الذوق العام الصغار والكبار من البشر ، وإن صعُب تعريفه. فمثلًا، الدخول في الطابور لا يصح إلا بالوقوف في آخره...نعم، هذا من الذوق العام. الإمساك بطرف شيء ساخن بعد إخراجه من النار...لا، هذا ليس منه.

فكيف نعلِّم الذكاء الاصطناعي «الذوق العام» على الرغم ما يكتنف هذا المفهوم من غموض؟ سعى إلى هذا كثير من الباحثين، وفشلوا؛ لكن هذا قد يتغير قريبًا، إذ قرر بول آلِن أن ينضم إلى صفوفهم.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز أن آلن عزم على إضافة 125 مليون دولار إلى استثماراته في مختبره الحاسوبي غير الربحي «معهد آلن للذكاء الاصطناعي،» مضاعِفًا ميزانية المعهد الخاصة بالأعوام الثلاثة المقبلة؛ وسيدعم هذا المال المشروعات الجارية، إلى جانب مشروع الإسكندرية: مبادرة جديدة تستهدف تعليم الروبوتات «الذوق العام.»

قال آلن في بيان صحافي «عندما أسستُ المعهد كان هدفي تنمية قدرات الذكاء الاصطناعي بالأبحاث الفعّالة؛ وفي البداية كانت الأبحاث تركّز كثيرًا على مسألة الذوق العام، لكن هذا التركيز انخفض حتى توقفت تلك الأبحاث، وما زال الذكاء الاصطناعي مفتقرًا إلى ما يحوزه طفل في العاشرة؛ وهدفنا أن نعيد تلك الأبحاث إلى مسارها لتنطلق فيه وتكشف لنا آفاقًا جديدة.»

يسع الآلات محاكاة البشر في بعض المهمات إن كانت محدَّدة، فيسعها تعرُّف الأشياء وتعيينها، ويسعها التسلّق وبيع المنازل وإغاثة المنكوبين، وأكثر من هذا؛ لكنها مع تعقيدها لا تستطيع معالجة إلا الأوامر والأسئلة البسيطة، فكيف تتمكن آلة من أن تواجه موقفًا لا تألفه فتعتمد على «الذوق العام» لتحديد رد الفعل المناسب وتنفيذه؟ ليس هذا بمتناولها حاليًا.

قال أورين إتزيوني، المدير التنفيذي لمعهد آلن، في البيان الصحافي «على الرغم من نجاح تقنيات الذكاء الاصطناعي حاليًّا، فإنها تواجه صعوبة كبيرة في تعرُّف الذوق العام الذي يتعرفه البشر بسهولة كبيرة؛ فهي يسعها حاليًّا أن تجيب إجابات جيدة عن العديد من الأسئلة البسيطة، مثل: إن وضعت جَوْاربي في دُرج، فهل سأجدها فيه غدًا؟ أو كيف تَعرف هل علبة اللبن ملآنة أم لا؟، لكن برنامج «ألفا جُو» -مثلًا- حين غلب بطل العالم في لعبة «جو» في 2016، لم يكن يعلم أنها لعبة لوحية.»

لِفشلنا في تعليم الذكاء الاصطناعي «الذوق العام» سبب بسيط: أنه عسير، عسير جدًّا.

حاوَل ذلك جاري ماركوس، مؤسس شركة «جيومترك إنتليجنس» مستمدًّا إلهامه من الطرائق التي يطور بها الأطفال إدراكهم للذوق العام وقدرتهم على التفكير المجرد، واعتمد باحثو «كلية لندن الإمبراطورية» على تقنية الذكاء الاصطناعي الرمزي: وهي تقنية يصنِّف فيها البشر للذكاء الاصطناعي كل شيء؛ ولم ينتُج عن الاستراتيجيتيْن أن طوَّرت الروبوتات ما لنا أن نسميه «ذوقًا عامًّا.»

لكن الباحثون في «مشروع الإسكندرية» سينتهجون استراتيجية أقوى وأكثر فعالية، إذ جاء في البيان الصحافي أنهم سيدمجون أبحاث الاستدلال الآلي في أبحاث الرؤية الحاسوبية، لإيجاد طريقة معارية لقياس الذوق العام؛ ويخططون أيضًا لجمع معلوماته من البشر.

قال جاري ماركوس في البيان الصحافي «يؤجج مشروع الإسكندرية في نفسي حماسة كبيرة، ولا أَنْسَب من وقتنا هذا لبدء محاولة جديدة لحل هذه المشكلة.»

هذه مهمة شاقة لا ريب، لكن إن كان دور الذكاء الاصطناعي في حياتنا سيكبر شيئًا فشيئًا، فينبغي لنا أن نسعى إلى إنجاز هذه المهمة؛ وربما يكون «مشروع الإسكندرية» اليوم أفضل فرصة للنجاح.