باختصار
نعيش في عصر استهلاك هائل للطاقة، وتلويث للبيئة والمناخ، وقد حان الوقت لتغيير ذلك فعلاً، وأولى الطرق هي ترشيد استهلاكنا للطاقة بل وربما حتى المساعدة في إنتاجها، ذلك ما تقوم البيوت المُستدامة بفعله.

نعيش في عصر تكثر فيه بعض الكلمات مثل: الأعوام الأكثر حرارة، التغير المناخي، الاحتباس الحراري، مشاكل المفاعلات النووية، وغيرها من المشاكل الكبيرة في مجالات الطاقة والمناخ. لقد تسبب البشر فعلاً بكثير من المشاكل للكوكب الأزرق، لكن هل نستطيع إصلاح هذه المشاكل قبل فوات الأوان؟ بالطبع، نحتاج فقط للإبداع والابتكار لإعادة ترتيب أوراقنا والعمل لتخطيط مستقبلٍ أفضل للأجيال القادمة، يكون خاليا من الانبعاثات ومقتصدا في استهلاك الطاقة، ومن هذه الخطط هي "التصميم المُستدام".

التصميم المُستدام باختصار

أخيراً: الطاقة الشمسية تصبح المصدر الأرخص للطاقة الجديدة

التصميم المُستدام هو صنف من أصناف العمارة يهدف لتقليل الأثر السلبي الذي تسببه المباني على الطبيعة، وذلك بالاستغلال الأمثل للمواد المستخدمة في البناء، إضافةً إلى نوع هذه المواد. كما يسعى التصميم المُستدام أيضاً لحفظ الطاقة واستخدامها دون الإضرار بالبيئة، بل وحتى بتوليد الطاقة اعتماداً على المبنى نفسه وتصميمه الداخلي.

إن الحصول على استهلاك أكثر فعالية وكفاءة للطاقة طوال بقاء المبنى، هو أحد أهم أهداف التصميم المُستدام، ولتحقيق ذلك يستخدم المهندسون المعماريون طرقاً فعالةً ومنفعلةً لتخفيض حاجة البناء من الطاقة، وزيادة قدرة الأبنية على الحصول على الطاقة من البيئة المحيطة بشكلٍ طبيعي، بل وحتى توليد طاقتها الخاصة.

ومن أهم هذه الطرق هو توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية، وتصميم المنزل بشكل يسمح بالتهوية والتدفئة والتبريد اعتماداً على موقع ومنافذ المبنى. تقوم الأنظمة غير النشطة passive systems بتخفيف استخدام الطاقة، وذلك بتغيير ترتيب الغرف وحجم ومكان النوافذ في المبنى، وكذلك بتخصيص موقع واجهة المبنى على الشارع الرئيسي، وبواسطة التحكم بمعدل ارتفاع المباني المختلفة في نفس المكان.

العزل الحراري

أحد أهم وأكثر العوامل التي تُخفض تكلفة البناء واستهلاك الطاقة في التهوية والتبريد والتدفئة، هو تصميم المباني لتكون معزولةً بشكلٍ جيد. بواسطة العزل نستطيع تخفيف الحاجة للتدفئة أو للتبريد، لكن في بعض الأحيان قد نحتاج إلى طرقٍ فعالةٍ لتهوية المبنى، وتجديد الأوكسجين فيه بشكلٍ مستمر.

تُدفع كميات كبيرة من الطاقة خارج المنزل بشكل تياراتٍ من الهواء والماء، ويمكن بواسطة الأدوات الصحيحة أن نقوم باستغلال هذه الطاقة الضائعة من الماء الساخن والهواء، لإعادة استخدامها في تبريد المياه أو تجديد هواء المبنى وتنقيته.

أما بالنسبة للنوافذ، فيتم وضعها بطريقة تسمح بتوفير الضوء دون خسارة الحرارة عبر الزجاج. في النصف الشمالي من الكوكب يتضمن ذلك وضع عددٍ كبيرٍ من النوافذ بحيث تكون مواجهةً للجنوب، وذلك لمواجهة الشمس بشكلٍ مباشر، وتقليل عدد النوافذ في القسم المواجه للشمال من المنزل. كما أن بعض أنواع النوافذ، المُقوّاة بطبقتين أو ثلاث، تُساعد في عزل الحرارة بشكلٍ أكبر في المبنى.

كما يمكن الاستفادة من طاقة الرياح، ولكن يحتاج هذا الأمر الكثير من الاهتمام أثناء عملية البناء، وبأخذ عامل التكلفة في الحسبان، فإنّ الأبنية الصغيرة المعتمدة على طاقة الرياح تكلّف أكثر من المباني الأكبر، وعلينا ألّا ننسى أيضاً عملية الصيانة، التي تعتبر عاملاً محدداً في كثير من الأحيان.

البيت المُستدام الأول في الإمارات

قدم مركز محمد بن راشد للفضاء في العام الماضي أول منزلٍ ذكيّ منتجٍ للطاقة في الإمارات والمنطقة، مجهزٍ بألواح شمسية لاستحصال الطاقة وتوليد الكهرباء وتخزينها، بالإضافة إلى استخدام الماء والهواء في نظام تبريدٍ مطوّر وحديث.

ويحافظ البيت على حرارة ورطوبة مناسبة على مدار اليوم وطوال العام، من خلال العزل الحراري والهوائي، ليشكل نظاماً متكاملاً معتدل الحرارة. وقد تم أيضاً استخدام نوع خاص من الخشب المعالج ومواد أخرى مقاومة للماء والرطوبة والحريق، لتقديم نظام عزلٍ حراري غير موصل للحرارة، مما يخفض هدر الطاقة ويمنع تسرب الهواء بالاتجاهين، الساخن من الخارج والبارد من الداخل.

بذلك تمّ الاستغناء عن أجهزة التكييف التقليدية، التي تستهلك الطاقة بشكلٍ كبير، واستُبدلت بنظام مرتبط بالكهرباء المعتمدة على الطاقة الشمسية التي ينتجها البيت، مستقلاً بذلك عن شبكة الكهرباء العامة.

تستخدم الكهرباء التي تُنتجها الألواح الشمسية لتشغيل مضخة الحرارة، والتي تقوم بتبريد المياه المستخدمة في أنظمة التبريد، التي تقوم بدورها أيضاً بتبريد الهواء. كما يحافظ البيت على صحة قاطنيه من خلال تدفق الهواء المتجدد من الخارج، مما يسمح بطرد الهواء غير النقي وتخفيض معدلات ثاني أوكسيد الكربون لضمان جودة الجو فيه.

أما بالنسبة لتجهيزات الإضاءة، فإن البيت الذكي يستخدم تجهيزات تعمل بالاستشعار عن بعد، لتضمن استهلاكاً أقل للطاقة، ومعدلات إضاءة غير ساطعة وغير مجهدة للعينين. كما يقوم المنزل بتنبيه ساكنيه في حالة ترك النوافذ والمداخل مفتوحةً بشكلٍ طويل، وذلك لتجنب تغير حرارة ورطوبة المنزل من الداخل.

وقد أوضح الدكتور علي شاهين مدير برامج الطاقة المستدامة بمركز محمد بن راشد للفضاء، أنّ المركز يمتلك خططاً لربط البيوت المستدامة بشبكة الكهرباء في دبي، وتزويدها بالفائض من الطاقة، أيّ أنّ هذه البيوت المُستدامة نقلتنا من استهلاك الطاقة إلى إنتاجها. ومن الجدير بالذكر أنّ البيوت المُستدامة تستغرق 100 يوم في بنائها فقط.

حصل بيت المستقبل النموذجي على شهادة اعتماد من معهدPassive House Institute  في ألمانيا، باعتباره الأول من نوعه في بلدان المناخات الحارة والرطبة، بعد الاختبارات والتقييمات التي قام بها خبراء المعهد لفحص مستويات استهلاك الطاقة ومعايير الاستدامة في هذا البيت.

للمزيد من المعلومات عن بيت المستقبل النموذجي يمكنكم زيارة موقع مركز محمد بن راشد للفضاء.