نشر علماء في بداية هذا العام ورقةً بحثيةً شرحوا فيها كيف تمكنوا من جمع قطع من الحمض النووي لاستعادة فيروس مندثر يُدعى جدري الأحصنة. وفقًا لمجلة ساينس، أثارت الورقة التي كتبها باحثان من جامعة ألبرتا ومؤسس مساعد في شركة نيويورك للصناعات الدوائية ضجةً واسعة، لأنها يمكن أن تُستخدم في استعادة فيروس آخر وهو جدري الماء. قتل هذا الفيروس مئات ملايين البشر قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية القضاء عليه في العام 1980 عقب حملة لقاحات مطولة، ما يعني أن فكرة استعادة فيروس بمجرد جمع قطع من الحمض النووي تثير هاجس الخوف من جائحة مروعة.

رفضت دوريتان نشر الورقة قبل أن تنشرها دورية بي إل أو إس وَن مفتوحة المصدر، ثم توالت الانتقادات بأن الورقة لا تظهر إمكانية تصنيع عامل ممرض قاتل –بلغت تكلفة إنتاجه 100 ألف دولار أمريكي- فحسب، ولكنها أيضًا تشرح عدة تفاصيل لآلية فعل هذا. وأبدى كثيرون من زملاء علماء فيروس جدري الحصان انزعاجهم مما حصل ونشرت دورية بي إل أو إس باثوجن ثلاثة آراء عن الورقة، وكذلك نقضها أساتذة كنديون. وفي الوقت ذاته أعرب علماء الجراثيم الدقيقة عن قلقهم الشديد من إمكانية إعادة إحياء فيروس جدري الماء.

أشار كيفن إزفيلت عالم الكيمياء الحيوية من معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنه لا داعي لكل هذه الجلبة إذ قال «نختلف بشأن موضوع نشر كل هذه المعلومات، لكن بوجود التطورات المتوقعة في تجميع الحمض النووي، يستطيع كل شخص باستخدام الإنترنت الوصول إلى التراكيب الأساسية الوراثية لفيروسات قادرة على قتل الملايين. وهذه المعلومات بالإضافة إلى بيانات أخطر مذكورة باختصار في مقالات ويكيبيديا، ما يجعلها عرضة لسوء الاستخدام.»

لاحظ الغياب التام للإشارات المرجعية في الفقرة السابقة. ومع أن إضافة إشارات مرجعية أو وصلات إلى أخطار المعلومات المنشورة للجماهير قد تبدو عملية غير مؤذية، إلا أن ذلك يجعل التفاصيل التقنية الخطرة شيئًا يسهل الوصول لكل من هب ودب. ويتطلب الأمر عالمًا ذي نوايا حسنة لنشر خطر المعلومات التقنية، لهذا يفضل البدء بالحث على سن قواعد الحيطة بين الكاتبين والمحررين والصحافيين.»

وفي فقرة الأسئلة والأجوبة مع أحد مدوني المعهد ألقى إزفيلت باللوم على من تحدثوا إلى الإعلام عن اصطناع جدري الماء، إذ قال «بات بإمكان الكثيرين الوصول إلى معلومات عن اصطناع الحمض النووي، لاسيما وأن التعليمات لفعل أشياء خبيثة متاحة على الإنترنت مجانًا. فمثلًا، في دراسة جدري الحصان يكمن خطر المعلومات جزئيًا في الورقة البحثية والطرائق الموصوفة فيها، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية التي أشارت إلى إمكانية فعل ما يُضر بالبشرية. ويزداد الطين بلةً عندما نتحدث مع الصحافيين عن الضرر المحتمل، لأنه يقلق الآخرين ويغذي خوفهم.»

رد الأساتذة الكنديون بأن ما نخافه سيحصل قريبًا إذ كتبوا

«باءت جميع المحاولات الحقيقية للتغلب على التطورات التقنية على مر القرون بالفشل. لهذا نقترح وضع قوانين تضبط استخدام منتجات هذه التقنيات إلى جانب تثقيف الأشخاص لتخطيط استراتيجيات معتمدة على الفهم الكامل للمخاطر التي تشكلها مثل هذه الأعمال. ولا شك أن وجهة نظر بعيدة المدى تُعد محوريةً في هذه النقاشات.»

لا جرم أن تخيل جدري الماء يفتك بأرواح البشر كما حصل سابقًا أمر محزن جدًا وربما تكون بعض الدراسات عديمة الفائدة فعلًا.