اختبار

أصبح إنتاج الأفلام والصور باستخدام الذكاء الاصطناعي أمرًا شائعًا، إذ انتشرت الخوارزميات المُنتِجة لهذا النمط من الوسائط بكثرة. ومن البديهي أن يزيد ذلك من جاذبية التأثيرات البصرية للأفلام وألعاب الفيديو، إلا أن الجانب الآخر المخيف لانتشار هذه التقنيات، هو إمكانية استخدامها بنوايا سيئة، في ظل إمكانية إنتاج إشاعات مغرضة، أو تلفيق مشاهد إباحية لأشخاص حقيقين، أو إنتاج وسائط مزيفة ومقنعة عديدة.

وأطلق عالمان من جامعة واشنطن الأمريكية، في فبراير/شباط الماضي، موقعًا على شبكة الإنترنت سموه «أي الوجوه حقيقي» يهدف إلى تدريب الناس على اكتشاف الإشارات الدالة على زيف الصورة أو واقعيتها، من خلال عرض صور مزدوجة والطلب من الناس تخمين أي جانبي الصورة حقيقي وأيهما المنتج المزيف بواسطة الذكاء الاصطناعي.

التعرف على الوجوه

ويأتي إطلاق الموقع الجديد، بعد وقت قصير من إطلاق موقع آخر يدعى «هذا الشخص لا وجود له» ويركز الموقع الجديد على خوارزمية ذكاء اصطناعي أنتجتها شركة إنفيديا الأمريكية تدعى ستايل جي إي إن، يمكنها إنتاج صور وجوه مثالية إلى حد كبير دون الاعتماد على أي صورة حقيقية.

وبما أن الموقع يركز على الأخطاء ومواطن الخلل المحددة في الصور المنتجة من خوارزمية ستايل جي إي إن تحديدًا، فإن نصائح كالبحث عن النظارات والأذنين والمجوهرات غير المتماثلة والخلفيات المليئة ببقع الألوان الغريبة لا يمكن تعميمها على الخوارزميات الأخرى المُنتِجة للوجوه. ويمثل الموقع على أقل تقدير تنبيهًا على الانتشار المقبل للوسائط المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ما يوجب علينا أخذ الحيطة تجاه ما نشاهد من صور ومقاطع فيديو كل يوم. وبإمكان الخوارزميات الجديدة للتعلم العميق إنشاء صور واقعية عالية الدقة لأشخاص من نقطة الصفر، بجميع التفاصيل من الوجه والشعر والأزياء وجميع الأمور الأخرى.

وأصبحت النماذج المنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي، أكثر واقعية اليوم من السابق. وفي أواخر أبريل/نيسان الماضي، ظهرت خوارزمية جديدة طورتها شركة داتاجريد للتقنية، من مقرها في جامعة كيوتو اليابانية، وتعمل على ترخيصها قريبًا لشركات الملابس ووكالات الإعلان المهتمة بالاستفادة من هذه الميزة وتجاوز الأجور الكبيرة للطرق التقليدية. على الرغم من احتمال إساءة استخدامها ما قد يقوض ثقة الجمهور بالوسائط الرقمية.

ونشرت الشركة مقطع فيديو يعرض التقنية الجديدة، وقدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير أزياء نماذج متعددة مرة بعد أخرى، ليظهر مجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس معينة ثم يحولها الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من الملابس.

والخوارزمية الجديدة، هي شبكة تنافسية توليدية (GAN) تُصنَّف كنوع من الذكاء الاصطناعي الذي يُستخدَم عادة لتقليد الأشياء الموجود في العالم الحقيقي؛ سواء على مستوى ألعاب الفيديو أو الصور التي تشبه الرسومات الكاريكاتورية المرسومة يدويًا.

واقعية كبيرة

وركزت المحاولات السابقة لإنتاج الصور الواقعية، عن طريق تقنية الشبكات التنافسية التوليدية، على إنتاج الوجوه فقط. وحملت هذه الوجوه عيوب عديدة؛ منها عدم تماثل الأذنين أو مشاكل في المجوهرات فضلًا عن الأسنان الغريبة وبقع لونية خاطئة تظهر في الخلفية. في حين يلغي نظام داتاجريد كل ما يربك الخوارزميات من معلومات دخيلة، ويضع النماذج المُنتَجة أمام خلفية بيضاء ويسلط نحوها ضوءً يبدو واقعيًا.

وفي كل مرة يبتكر العلماء فيها خوارزمية جديدة لإنتاج فيديوهات أو صور واقعية لا يمكن تمييزها عن الحقيقية، تبرز تحذيرات ومخاوف، بسبب سهولة إساءة استخدامها في نشر دعايات سلبية.

تمييز الأنماط

وعمد المُطوِّرون في الآونة الأخيرة إلى تدريب خوارزميات التعلم العميق للآلات لتتمكن من تمييز الأنماط، إذ يشاهد النظام مئات الصور أو حتى آلاف أو ملايين منها، ليتمكن من تعلم شكل كل واحدة منها وفقًا لخصائصها.

وعلى الرغم من كفاءة التعلم العميق للآلات في تصنيف الصور، إلا أنه قد يخطئ عند رسمها، لتظهر بعض الرسومات وكأنها تجريدية ويصنفها بعض المُستخدِمين على أنها قبيحة، وذلك لا ينفي قدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل الرسومات العشوائية البسيطة إلى صور أكثر واقعية.

التعلم العميق للآلات

ولطالما كانت احتمالية تطوير الذكاء الاصطناعي لآليات تفكير خاصة للوصول إلى مراحل متقدمة تشابه البشر مثار جدل في أوساط العلماء والفلاسفة وعدها كثيرون ضربًا من شطحات الخيال العلمي لنصل في عصرنا الراهن إلى إرهاصات أولى لهذا التوجه الجديد للآلات.

ويتطلب التعلم العميق للآلات بنية معقدة تحاكي الشبكات العصبونية للدماغ البشري، بهدف فهم الأنماط، حتى بوجود ضجيج، وتفاصيل مفقودة، وغيرها من مصادر التشويش. ويحتاج التعليم العميق للآلات، كمية كبيرة من البيانات وقدرات حسابية هائلة، توسع قدرات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى التفكير المنطقي، ويكمن ذلك في البرنامج ذاته؛ فهو يشبه كثيرًا عقل طفل صغير غير مكتمل، ولكن مرونته لا حدود لها.