باختصار
يوماً ما سنصل إلى درجة من التطور التقني، نستطيع خلاله أن ندمج الآلات الذكيّة مع أدمغتنا بطريقةٍ باهرة، أو ربما تستطيع هذه الآلات أن تتطور بطريقةٍ تسبق قدرتنا على مجاراتها، الخياران مطروحان، بعد المتفردة.

رؤيّة المستقبل بعين مستقبلية

تخيّل معيّ أحدهم توّقع هذه التطوّرات في 1990:

  1. تطوير آلة تستطيع الطباعة بواسطة الأوامر الصوتيّة.
  2. تطوير هواتف تستطيع أن تقوم بترجمة المكالمة بين الطرفين والسماح للناس الذين يتكلمون بلغات مختلفة بالتحدث مع بعضهم.
  3. تفوق الحاسوب على البشر في لعبة الشطرنج (كاسباروف وديب بلو).
  4. تطور استخدام الإنترنت وانتشاره.
  5. تطوير أطراف وهياكل اصطناعية تساعد المصابين بالأمراض المختلفة على المشي.
  6. تطوير آليات تسمح للمركبات بالقيادة الذاتية.

والكثير غيرها من التوقعات التي أثبتت صحتها، هذا الرجل هو راي كرزويل، أحد أهم رجال جوجل وألفابيت.

اليوم سنتكلم عن Singularity (المتفردة) ولكن ليست تلك الموجودة في مركز الثقب الأسود، حيث تختفي قوانين الفيزياء كما نعرفها، بل عن المتفردة التقنيّة، تلك اللحظة التي ستتغير فيها الحضارة بشكلٍ كبير، لدرجة تصبح فيها التقنية المستخدمة في ذلك العصر غير مفهومةً أبداً للجيل السابق. يعتقد راي أن هذه اللحظة ليست ببعيدة، بل هي قادمة في المستقبل القريب جداً.

معظم الاعتقادات حول المتفردة القادمة تكون بشكل تطور كبير في مجالات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، ولكن لتقريب الموضوع قليلاً إلى عقولنا، فلنتخيل معاً محاولة شرح كيفية عمل الإنترنت لشخص في القرن الثالث عشر، سيكون الوضع مربكاً بشدةً للرجل المسكين، كيف تشرح له عمل الإنترنت دون معرفته أصلاً بوجود شيء كالحاسوب!

يمكننا اعتبار الحديث عن هذا الموضوع نوعاً من أنواع التناقض، فالمتفردة هي شيء لا يمكن فهمه من قبلنا، لكننا مع ذلك نحاول أن نتوقعه، صعب بعض الشيء.

ماذا سيحدث في 2029؟

المصدر:http://geeknewscentral.com/
المصدر:http://geeknewscentral.com/

يعتقد راي أننا في 2029 سننتهي من الهندسة العكسية للدماغ، أي معرفة عمل كلّ جزء منه بشكلٍ كامل، لنستطيع في لحظةٍ ما أنّ نقوم بتصنيع دماغ اصطناعي، قوي وذكي ويعمل بطاقة تشابه الطاقة التي يحتاجها، فالطاقة التي تحتاجها أدمغتنا ضئيلة جداً مقارنةً بتلك التي تحتاجها الحواسيب والأنظمة الذكية للوصول إلى جزء من قدرة أدمغتنا.

لكن كيف ستحصل هذه المتفردة التكنولوجية الجديدة؟ هناك عدة احتمالات:

الأول هو تطوير أجهزة ذكاء اصطناعي شديدة التعقيد تستطيع التفكير بمفردها وتستطيع الاعتناء بنفسها بشكلٍ كامل دون الحاجة للتعامل البشري، وربما امتلاكها في لحظة ما للوعي.
الثاني هو تطوّر واجهات التعامل بين الحاسوب والمستخدم، للوصول إلى مرحلة يمكننا فيها تطوير أدمغتنا بدمجها مع التقنيات الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لإنتاج إنسان أذكى من الإنسان الحالي، وربما حتى بقدراتٍ فيزيائية أكبر.
ربما قد يكون الاحتمال الأول مخيفاً بعض الشيء، تطوّر الآلات بشكلٍ كبير يمكنها من الاستغناء عنّا كمبرمجين ومقدمين لطاقتها، فتستطيع فعلاً التخلص منا ولكن هذا الشيء قد لا يحدث فعلاً.

فرغم التطور السريع الذي قدمه قانون مور في السنوات السابقة، إلا أنّ تطوّر العتاد المادي ليس هو الطريق إلى المتفردة فعلاً، فالجزء الآخر أيضاً مهم، البرمجيات والأنظمة التي تُسيّر هذه الحواسيب، وهي التي يمكن اعتبارها "الوعي المُصنّع" بالنسبة للآلة. لدينا الآن برمجيات وتطبيقات تسمح للآلات بتحليل المعلومات الكبيرة والبيانات الضخمة، والوصول لنتائج مهمة وكبيرة، وقد استطعنا حتى الوصول إلى سيارات تقوم بالقيادة دون التدخل البشري، وهذا جزء من الذاتيّة التي تعدنا به المتفردة.

مالذي قد يحدث حينها؟ هناك آراء مختلفة، لا أحد يعرف حقاً. ربما تقوم الآلات بكل العمل الذي يجب القيام به، ونعيش حياة رهيفة وراقية، ربما تسيطر الآلات علينا، لنعيش في عالم أفلام الماتريكس، وربما نندمج مع الآلة بطريقةٍ أو بأخرى للوصول إلى شيء يشبه الخلود، أو الأقل خلود وعينا دون الجسد.

مور

في عام 1965، قام المهندس جوردون مور باقتراح فكرة، نعرفها الآن باسم قانون مور، وهي زيادة عدد الترانستورات على نفس الدارة، بدلاً من زيادة عدد الرقاقات في الدارة نفسها، وذلك لتخفيض الكلفة والحجم. وحسب مور، فإنّ الوقت اللازم لتضاعف عدد الترانستورات على الدارة الواحدة يصل إلى سنتين تقريباً، وقد نشرت مجلة Nature تقريراً أخبارياً مفصلاً عن قانون مور، والخطوة القادمة للبشرية بعده، وهي تطوير التطبيقات والبرمجيات، أي التركيز على العتاد التقني بدلاً من العتاد المادي، ومن ثم تصميم العتاد المادي ليتناسب مع حاجة التطبيقات والبرامج المختلفة. يمكنكم قراءة التقرير الكامل هنا.

هناك بالتأكيد تقنيات النانو، التي يمكن تطويرها لتدخل في الصناعات المختلفة وحتى في التداخلات الطبية خاصة على الدماغ، وربما يمكننا استخدام هذه التقنية في خلق صلات دماغية أكثر عدداً وأفضل نوعيةً لتحسين الذكاء البشري الخاص بنا، واستخدامها للتواصل مع الآلات من حولنا بشكلٍ أكثر فعالية وتنسيقاً.

وقد كتبنا من قبل هنا عن تأثير المتفردة أو حالة التفرد على البشرية، ويمكنكم قراءة رأي روبن هانسون عن الحاسوب والدماغ والمحاكاة المتبادلة، لكن هل هناك آراء أخرى؟

يعتقد  الفيزيائي إدوارد ويتين أنّ الوصول إلى المتفردة ليس ممكناً بشكل كبير، فالعلماء لن يستطيع أن يفهموا كيفية عمل الدماغ بشكلٍ كامل، ولن يصلوا لفكرة "الوعي" وفك الشيفرة الخاصة بها، بل ولربما نستطيع أن نفهم كيفية حصول الانفجار العظيم بشكلٍ أفضل من فهمنا للوعي.

إن فهم كيفية عمل الدماغ هو أمر مثير للاهتمام من نواحٍ عديدة، لكنه يحتاج الكثير من العمل خلال عقود طويلة، وأعتقد أنّ جزءاً كبيراً من الدماغ وطريقة عمله سيبقى شيئاً غير مفهوم أو مرئيّ بالنسبة لنا نحن البشر. وربما نستطيع في يوم من الأيام أن نفهم الطريقة التي يحلل بها المعلومات وينتجها، لكن "الوعي" وشعورنا به، لا أعتقد أن ذلك قد يحصل أبداً.

خطوات واثقة باتجاه المتفردة

تقوم شركة Softbank بدعم المشاريع التي تدفع أبحاث الروبوتات والأنظمة الاصطناعية بشكل كبير، وقد أعلنت مؤخراً دعمها لخطط جديدة. وقد أعلنت دعمها لتحقيق إمكانية جعل حالة التفرد أو المتفردة واقعاً قريبا، لتكون التغيير الأكبر في تاريخ البشرية في العصر الحالي، خلال 30 سنة القادمة. وتتعاون المملكة العربية السعودية مع SOFTBANK بمبلغ قدرة 100 مليار دولار أمريكي لدفع هذه الخطوة إلى الأمام وتسريع التطور في المجالات التقنية المختلفة.

ومع تطور إنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، فإن حصول المتفردة يبدو أقرب فأقرب، وتعتقد إدارة الشركة أنّ المتفردة هي كغيرها، يمكن إساءة استخدامها لإساءة حالة البشر، أو الاعتماد عليها في تسهيل الحياة والارتقاء بالكوكب كله.

لمعرفة المزيد عن السينجيولاريتي القادمة، يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو هنا: