باختصار
تمكن علماء من محو ذكريات محددة في الخلايا العصبية عند الحلزون مع تعمّد الإبقاء على أنواع أخرى. على الرغم من أن إجراء هذه المحاولة على البشر تتطلب دراسات كثيرة، إلا أن الباحثين يأملون في أن تقودهم هذه الدراسة قريبًا إلى علاجات جديدة لاضطراب ما بعد الصدمة.

يقدر عدد المصابين باضطراب ما بعد الصدمة في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بنحو ثمانية مليون بالغ كل عام. منهم من عانى من تجارب صعبة في جبهات قتالية، وآخرون مروا بماضٍ ذي طابع عنيف. ومن المرجح أن يكون لدى المصابين بهذا الاضطراب نوعين -على الأقل- من الذكريات؛ ذكريات ترابطية وأخرى لا ترابطية.

تتضمن الذكريات الترابطية معلومات مهمة عن الحدث الصادم؛ كالشخص المسبب للأذى، أو المكان الذي شهد الواقعة. وتتمحور الذكريات اللاترابطية حول التفاصيل المرتبطة بصورة غير مباشرة بالحدث الصادم، لكنها تتسبب في ظهور أعراض متلازمة ما بعد الصدمة. وتمكن العلماء من إيجاد طريقة فعالة لاختيار الذكريات اللاترابطية عند الحلزونات ومسحها، مع الإبقاء على النوع الترابطي.

حقوق الصورة: مختبر شاتشر/ المركز الطبي في جامعة كولومبيا
حقوق الصورة: مختبر شاتشر/ المركز الطبي في جامعة كولومبيا

تمكن الباحثون من تحقيق هذه النتيجة عن طريق إعاقة جزيئات عديدة مرتبطة بأنزيم محدد يدعى «بروتين كيناس  إم» المسؤول عن الحفاظ على الذكريات طويلة الأمد.وأعلن الباحثون مؤخرًا في مجلة «كورينت بيولوجي»  أنهم تمكنوا من محو أنواع عديدة من الذكريات بحجب جزيئات مختلفة مرتبطة ببروتين كيناس إم، بل وتمكنوا أيضًا من محو ذكريات محددة عن طريق حجب أنواع متغيرة محددة من هذه الجزيئات.

قال «جيانغيوان هو» المؤلف المشارك في هذه الدراسة، في البيان الصحفي الذي أعلنته جامعة كولومبيا «قد نتمكن باتباعنا لطريقة عزل الجزيئات المحددة المسؤولة عن الذاكرة اللاترابطية من تطوير عقاقير بإمكانها معالجة هذا الاضطراب دون التأثير على ذاكرة المريض الطبيعية وذكرياته عن أحداث الماضي.»

السيطرة على الذاكرة

يأمل الباحثون أن يكون لهذه الطرائق المفعول ذاته عند الإنسان، إلا أننا بحاجة إلى دراسات كثيرة قبل وصولنا لهذه المرحلة، فالفريق غير واثق حتى الآن من أن الذكريات التي مُحيت لن تعود إلى الأبد، لذا فالدراسات الأوسع والأشمل ضرورية لتوضيح هذه النقطة والتأكد منها.

يعد هذا النوع من البحوث واعدًا للأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة وغيرهم من المصابين بمشاكل متعلقة بالصحة العقلية سببتها أحداث مؤلمة وصادمة، ويشمل ذلك مدمني المخدرات. ويجب أن لا نغفل حساسية هذا الأمر؛ ففي معظم الحالات تفيد الذكريات أصحابها، فإذا أقدمنا على محو الذكريات السيئة فقد نعود لارتكاب الأخطاء ذاتها. بالإضافة إلى أن بعض النظريات تفترض بأن المشكلة لا تكمن في الذكريات بحد ذاتها؛ بل هو خلل  في عملية استدعاء ذكرى الحدث يؤدي إلى الإحساس بالألم الذي سببه مرارًا وتكرارًا.

إضافة إلى ذلك، لا يمكننا البت بمدى نجاح فكرة محو ذكريات محددة فقط على الرغم من ترابط الذكريات بطبيعتها مع بعضها البعض. وحتى إن نجحت هذه التجربة، فهل سيبقى سياق الذكريات الأخرى المتبقية منطقيًا خاصة بعد محو تجربة سلبية ذات تأثير كبير على الحياة بصورة مفاجئة؟

يعتقد الفريق أن الإجابة على هذا السؤال ومعرفة إمكانية تطبيق تجربة محو الذكريات طبيًا يتوقف على إجراء دراسات أكثر عليها. وقال «سامويل سكاتشير» المؤلف المشارك في هذه الدراسة في البيان الصحفي «إن دراستنا هي دليل مبدأي يقدم فرصة لتطوير طرائق لعلاج اضطراب القلق.»