باختصار
يبحث العلماء عن سبُلٍ لتخزين البيانات في الحمض النووي كوسيلةَ حِفظٍ تدوم ملايين السنين، إذ يسعُ جرامَ الحمض النوويِّ الواحدَ تخزينُ مئات المليارات من الجيجابايت.

ذاكرة الحمض النووي

يهدف مشروعٌ رائع يُجريه «المعهد الفدرالي السويسري للتقنية في زيورخ» إلى حفظ البيانات الرقمية فترةً طويلة بتوظيف «الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين» ليصبح وسيلةً للتخزين.

حمَل الحمضُ النووي -الوسيلةُ التي تخزَّن بها الكائنات معلومات المورثات وصمدت على مرِّ الدهر- لملايين السنين كمياتٍ هائلةً من المعلومات المهمة، وهي البيانات الجينية التي تدعم كلَّ صور الحياةِ على الأرض. وبسبب تلك الميزة سعى الباحثون إلى توظيف هذا الجزيء ليخزنوا عليه بياناتٍ رقميةً غيرَ محدودة تخزينًا آمنًا، ليَحمل المعارف البشرية على مر القرون.

سيكون الكود نفسُه ثنائيًّا، فالزوجَيْن القاعديَّيْن A وC سيكونان بمنزلة «الصفر،» أما G وT فسيكونان بمنزلة «الواحد.» وستُدمَج فيه آليةُ تصحيح الأخطاء تحسبًا لتضرُّر الحمض النووي.

اختبر الفريق استقرارَ وسائط التخزين بأنْ رمَّزوا بياناتٍ بقيمة 83 كيلوبايت –وهي: الميثاق السويسري الفيدرالي، وكتاب «لوح أرخميدس» وخزنوا الكُراتِ الزجاجيةَ التي تحوي الحمضَ النووي أسبوعًا في حرارة تتراوح درجتُها بين 60 و70 درجة مئوية، على أملٍ أن يُحاكوا بذلك فترةً زمنيةً طويلة. وبعد انتهاء الاختبارات وجدوا البياناتِ محفوظةً وقابلةً للقراءة بلا أخطاء.

حقوق الصورة: زيفيروس، تحمل رخصة «المشاع الإبداعي»
حقوق الصورة: زيفيروس، تحمل رخصة «المشاع الإبداعي»

تشير تقارير في موقع «نيو ساينتست» إلى أن البيانات المخزّنة بهذه الصورة تبقى زُهاءَ 2000 عام إذا حُفظت في حرارةٍ مقدارُها 10 درجات مئوية، أما إذا حُفظت في حرارة مقدارها -18 درجة مئوية فستزيد فترةُ البقاء لتصل إلى مليونَيْ سنة. وفوق ذلك يستطيع جرامُ الحمض النوويِّ الواحدُ حفظَ نحو 455 إكسابايت من البيانات. وإن كنتَ لم تسمع بهذا الحجم من قبل، فاعلم أن في الإكسابايت مليار جيجابايت، وفي الزيتابايت ألف إكسابايت.

في السنوات الأخيرة صار الترميزُ الثنائيُّ باستخدام الحمض النووي ابتكارًا انجذب إليها كثيرون. ففي معهد «ج. كريغ فنتر» أضاف العلماء كودًا دليليًّا يضم أسماءهم وبعض الاقتباسات في جينوم اصطناعيٍّ كان يُستخدم لإثبات قابلية تكوين الخلايا الاصطناعية. وفي «هارفارد» خزن الباحثون في تسلسلٍ من الحمض النووي روايةً وعدةَ صورٍ امتدادُها «جي بي جي-jpg» وبرنامجًا مكتوبًا بلغة «جافا سكريبت» (حجم كل ذلك 650 كيلوبايت). ويعمل الآن عالمُ كيمياء حيويةٍ في جامعة كاليفورنيا مع فرقة «أوكي جو» لإعداد ألبومهم المقبل على الحمض النووي (لم يتضح بعدُ كيف ستَتم إعادةُ استماع الألبوم بعد تسجيله).

تأمين المعلومات

إلا أن هذا العملية ليست قليلة التكلفة، فتكلفة تجربة معهد «فنتر» وصلت إلى نحو 40 مليون دولار، أما تجارب المعهد السويسري فتُقدَّر تكاليفُ ترميزها بنحو 18 دولارًا لكل كيلوبايت، دون أن يشمل ذلك تكاليف تخزين البيانات واسترجاعها. ولا ريب أننا سننتظر مدة قبل أن نرى كيف ينافِسَ سعرُ هذه الطريقة التكلفة الحاليَّة التي تبلغ 0.03 من الدولار لكل جيجابايت لدى التخزين على الوسائط المغناطيسية والبصرية.. وهي تكلفة ما زالت تنخفض كل يوم.

على مر السنين كان تخزينُ المعلومات طويلُ المدى مشكلةً حاول الإنسان إيجاد حلول لها، فأقدمُ نموذج معروف للمعلوماتِ المسجَّلةِ موجود على قطعةٍ خشبية (لوح الديسبليو) يُعتقد أنها تعود للعام 5260 قبل الميلاد. وكان بقاءُ هذا اللوح ضربًا من الصدفة وحسن الحظ، فلم يُحفَظ إلا لأنه دُفن في الطين والماء مدةً طويلة، فحفظه ذلك من التلف بمنع الأكسجين ودرجات الحرارة العالية عنه.

أما الجانب الآخر من الذي لا يقل أهمية من عملية تخزين البيانات فهو عملية فك الترميز -أيًّا كان نوع الوسائط- فالنص المحفوظ على لوح الديسبليو ما زال مبهمًا على الرغم من بقاء كتابته.