الفيروس يلعب الغُمَّيضَة

كشفت الأممُ المتّحدةُ حديثًا أنَّ عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشري «إتش آي في» يُقَدَّر بحوالي 36.7 مليون شخص حول العالم. يعيش منهم 1.2 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وفقًا لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها. وما زالت أعدادُ المصابين مستمرة في الارتفاع، ولا يوجد شفاءُ ولا حتى علاجاتُ كافيةُ للمرض حتى الآن، فمن أهمّ الأسباب التي تمنع اكتشاف العلاج هو قدرةُ فيروس نقص المناعة البشري على الاختباء في أماكن كامنة ممّا يجعل اكتشافَ علاجٍ دائمٍ أمرًا معقدًا جدًّا.

وعلى الرغم من ذلك، يتمسّك العلماءُ بالأمل دائمًا. إذ نشرَ علماءُ من كليّة لويس كاتز الطبية في جامعة تيمبل ومن جامعة بتسبورغ دراسةً في مجلة «مولكيولار ثيرابي» توضّح إمكانيّةَ استئصال الحمض النووي لفيروس نقص المناعة من جينوم حيواناتٍ حيّة. وتُعَدّ هذه المرة الأولى التي تظهرُ فيها إمكانيّة التعامل مع الفيروس بمثل هذه الطريقة، ممّا يزيد فرصَ القضاء عليه.

ويكمن السرّ في تقنية التعديل الجيني كريسر/كاس-9، والتي تُعَدّ أكثر أدوات التعديل الجيني كفاءةً وفعاليةً. إذ تمكّن العلماء من إزالة أجزاء فيروس «إتش آي في-1» من جينوم أنسجة الحيوانات المصابة. وذُكِر في ملخص الدراسة المنشورة «إنّ التعديل الجيني باستخدام البروتين كاس-9 المرافق لأداة كريسبر يقدّم شفاءً مُبشّرًا لمرض الإيدز/إتش آي في-1.» واعتمد الباحثون في دراستهم على ورقةٍ علمية نشروها خلال العام الماضي عن إمكانية هذا الإجراء نظريًّا.

وقال «وينهي هو» من كلية لويس كاتز الطبية «تُعَدّ دراستُنا الجديدة أكثر شموليةً. إذ أكّدت هذه الدراسةُ المعلوماتِ التي نُشرت في بحثنا السابق، واستطعنا تحسين استراتيجية وطرائق التعديل الجيني لدينا. وأظهر عملُنا كفاءةً عاليةً في نموذجين من فئران التجارب، إذ اختبِرَت الطريقة على خلايا فئران مصابة بالمرض الحادّ وعلى خلايا بشرية مصابة بالمرض المزمن أو الكامن.»

البحث والقضاء على الفيروس

استخدم الباحثون أداة كريسبر/كاس-9 لإيقاف فيروس «إتش آي في» في ثلاثة نماذج من الحيوانات. وكان النموذج الأول فئرانًا معدّلة جينيًّا ومصابة بفيروس «إتش آي في-1،» بينما كان النموذج الثاني فئرانًا مصابة بالشكل الحاد من فيروس الفئران «إيكو إتش آي في» الذي يشبه فيروس نقص المناعة لدى البشر، وكان النموذج الثالث فئرانًا حُقِنَت في أنسجِتها وأعضائها بخلايا بشريّةٍ مصابةٍ بالشكل المزمن من فيروس «إتش آي في-1.»

واستطاع الباحثون إيقاف نشاط فيروس نقص المناعة البشري في النماذج الثلاثة باستخدام التعديل الجيني، إذ نجحوا بتقليل التعبيرية الجينية للحمض النووي الريبوزي في الفيروس بنسبة 95% في النموذج الأول، وبنسبة 96% في النموذج الثاني. وتمكّنوا من استئصال الأجزاء الفيروسية من الخلايا البشرية في النموذج الثالث بعد تطبيق العلاج باستخدام كريسبر/كاس-9 لمرةٍ واحدة.

ويحاول الباحثون حاليًّا توفيرَ الشكل المناسب من العلاج للبشر. وقال الباحث كامل خليلي «ستكون الخطوةُ القادمة اختبارَ الدراسة على الرئيسيّات، وهي نماذج أقرب للبشر إذ يؤدّي إصابتُها بفيروس نقص المناعة إلى ظهور أعراض مرض الإيدز، ويفيدُنا ذلك في تأكيد استئصال الحمض النووي لفيروس إتش آي في-1 من الخلايا التائية المصابة بالشكل الكامن من الفيروس ومن أماكن أخرى يلوذ إليها الفيروس عادةً كخلايا الدماغ. إن هدَفنا الوصول بالتدريج إلى بحثٍ سريريٍّ على البشر لتطبيق العلاج.»

تُعَدّ هذه المرة الأولى التي يُستخدَم فيها التعديل الجيني لعلاج فيروس نقص المناعة عند الحيوانات. وقد تغيّر نتائج هذه التجربة من طريقة بحثنا عن علاج هذا الفيروس المحيّر، وقد يصلُ العلماء تدريجيًّا إلى صناعة الشفاء.