باختصار
  • تعمل مجموعة من أكبر العلماء وألمع الأثرياء في العالم حالياً على نقل البشرية إلى النجوم المجاورة.
  • لتحقيق هذا الإنجاز، يتم العمل على تطوير مركبات فائقة الصغر لحمل التكنولوجيا البشرية إلى الخارج، ومعرفة أقرب النجوم إلينا.

إنجاز فضائي

يبدو التالي كحبكة فيلم خيال علمي مبتذل، حيثُ تلتقي مجموعة سرية من أصحاب المليارات، والعلماء، وذلك بهدف وضع الخطط لأول مركبة فضائية في العالم.

المشكلة هي أن هذا ليس فيلماً علمياً مبتذلاً. بل إنه واقعي ويحدث فعلياً، ويتجسّد ذلك ببرنامج "الانطلاق النجمي المتقدم" ليوري وجوليا ميلنر، والذي تم تأسيسه في أبريل من العام الماضي.

يقع هذا البرنامج تحت مظلة "المبادرات المتقدمة"، وهو برنامج طموح وجيد التمويل للبحث العلمي، وهو يبحث في الإجابات عن الأسئلة الكبيرة. هل نحن ذرات وحيدة من الذكاء تطوف في بحر من الوحدة، أم أنه يوجد عقول أخرى تنتظر التواصل معنا؟ هل يمكننا الوصول إلى عوالم أخرى. وهل يمكن للنوع البشري أن يتصرف بشكل موحد للاتصال بأقراننا العاقلين في الكون؟

يعمل برنامج الانطلاق النجمي المتقدم بصمت - وبدعم من ألمع العقول البشرية وأكثرها إبداعاً، مثل ستيفن هوكينج ومارك زوكربيرج، على سبيل المثال لا الحصر - على وضع الخطط الأولية لما يسميه البعض "القفزة الكبيرة"، وهي القفزة الكبيرة الأولى للجنس البشري عبر الفضاء الشاسع الذي يفصلنا عن أقرب النجوم.

تخيل فني لبروكسيما بي. حقوق الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ م. كورنميسر
تخيل فني لبروكسيما بي. حقوق الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ م. كورنميسر

لا تزال الخطة في مراحلها المبكرة حتى اللحظة. وهناك بعض الصعوبات التقنية التي يجب تجاوزها، ولكن بوجود الكثير من الوقت، والأموال، والأبحاث، لدينا ما يدفعنا إلى الأمل بإمكانية تجاوز هذه الصعوبات.

تتميز الفكرة ببساطتها، ففي البداية يجب أن نبني "رقاقة فضائية StarChip"، وهي مركبة فائقة الصغر بوزن حوالي غرام واحد تقريباً (يبلغ حجمها حجم طابع بريدي تقريباً)، ونزودها بإلكترونيات مصغرة، وكاميرات، وحواسيب ومصدر للطاقة، ونصلها إلى "شراع ضوئي Lightsail". ومن ثم نستخدم مصفوفة ليزرات، أو "مشعاعاً ضوئياً"، لنزيد سرعة الجهاز بأكمله إلى ما يقارب من 20% من سرعة الضوء.

يكفي هذا للوصول إلى بروكسيما بي المجاور بعد الإطلاق بحوالي 20 سنة. ويأمل الفريق- وبشكل متفائل- بأن يكون العام 2060 هو "تاريخ الوصول"، وبالطبع، يعتمد كل هذا على مدى تقدم التكنولوجيا، والتي تشمل كل شيء، مثل الإلكترونيات المصغرة، والحواسيب، والليزرات، وتقنية البطاريات، وعلم المواد، والاتصالات ذات المدى البعيد للغاية.

إلى أين سنذهب؟

خلال هذا الوقت، يحقق فريق الانطلاق النجمي المتقدم بعض الإنجازات في مجالات أخرى. لا يكفي فقط أن نبني مركبة فضائية، بل من المفترض، في الحالة المثالية، أن نعرف إلى أين سنرسلها. ولهذا، أبرم الفريق اتفاقاً مع المرصد الأوروبي الجنوبي لتزويد التلسكوب العملاق (VLT) ببعض الأدوات عالية القدرة، وذلك لمسح نظام ألفا سينتوري بحثاً عن كواكب قابلة للسكن، أو مثيرة للاهتمام على الأقل. ومن المتوقع أن تبدأ عمليات الرصد في 2019.

تم اكتشاف بروكسيما بي من قبل المرصد الأوروبي الجنوبي، وقد أثار الإعلان عن هذا الاكتشاف موجة حماس في فريق الانطلاق النجمي، حيث إن حجم هذا الكوكب يساوي حجم الأرض على الأقل، ولكن من المرجح أنه يدور حول نفسه بنفس الفترة التي يستغرقها دورانه في مدار صغير حول نجمه الأولي القزم الأحمر، مما يجعل نفس الوجه من الكوكب يواجه النجم بشكل دائم. ونظراً لميل النجوم مثل بروكسيما سينتوري إلى إطلاق الوهج فوق البنفسجي فهناك تساؤلات جدية حول إمكانية الحياة على هذا الكوكب.

هذه الأسئلة هي التي دفعت الفريق إلى تعديل التلسكوب العملاق للبحث عن الكواكب في نظام ألفا سينتوري مزدوج النجوم. وسيدفع برنامج المبادرات المتقدمة تكاليف تحديث التلسكوب لجعل هذا البحث ممكناً، ويرغب الفريق بتركيب أداة متكاملة تم بناؤها من قبل شركة كامبف لبصريات التلسكوبات على فيسير (أداة التصوير وقياس الطيف لمنتصف المجال تحت الأحمر للتلسكوب العملاق VISIR)، والتي ستعتمد على البصريات التكيفية لتحسين قدرة التلسكوب على تمييز الآثار الإشعاعية الكوكبية من الوهج الصادر عن نجومها. إضافة إلى هذا، سيتم أيضاً تركيب جهاز رصد الهالة الشمسية (والمستخدم لحجب الضوء النجمي)، والذي تم تطويره بشكل مشترك من قبل جامعة لييج وجامعة أوبسالا، وذلك لرفع قدرة المرصد على كشف أي ضوء كوكبي.

يهدف برنامج الانطلاق النجمي المتقدم، في العقود المقبلة، لتفحص نظام ألفا سينتوري بشكل دقيق، وذلك أثناء عملية تطوير التقنيات اللازمة لمركبات "الرقاقات الفضائية" فائقة الصغر. وعندما تصبح الرقاقات الفضائية جاهزة، يأمل الفريق أن يكون قد تمكن من تشكيل خريطة وافية للنظام الكوكبي المجاور، وأصبح قادراً على اختيار هدف واعد، ورسم خطة طيران مثيرة للاهتمام تمتد لعشرات السنين في المستقبل لهذه المسابر.

الانطلاق نحو النجوم

تعتبر هذه الأخبار مشجعة للتواقين إلى انطلاق البشرية نحو النجوم. حيث يحقق برنامج الانطلاق النجمي المتقدم تقدماً بطيئاً صامتاً، ويمكن أن نتوقع المزيد من الإنجازات في الكثير من المجالات العلمية والهندسية التي يشملها المشروع.

لقد انتهينا من أول استكشاف أولي للنظام الشمسي، وعلى الرغم من وجود الكثير مما لم يتم اكتشافه، فإن البشر الذين لطالما اتّصفوا بالعناد وقلة الصبر، ويتطلعون إلى ما بعد الأفق. وبالتالي فإن القفزة الكبيرة هي الخطوة المنطقية التالية، لأننا نرغب برؤية ما بعد المدى، ونبذل كل ما في وسعنا بأقصى سرعة لنكتشف تلك المناطق البعيدة المخبأة.

بالطبع، فإن الوصول إلى هناك بشكل فعلي، والسير على تربة كوكب يدور حول شمس أخرى، هو حلم كبير، وقد عملت مجموعة من ألمع العقول على التوصل إلى كيفية بناء سفن فضائية معقولة، وهي معضلة بالغة الصعوبة. وقد قدموا الكثير من الأفكار، بعضها رائع وحتى قابل للتحقيق، وبعضها ليس كذلك. وإذا أردنا أن نكون واقعيين، فإن تقنياتنا بحاجة إلى قرون من الزمن، ودرجة واحدة على الأقل من سلم كارداشيف (مقياس لمدى التطور التكنولوجي للحضارة)، حتى تستطيع إرسال البشر إلى بروكسيما بي القريب فقط. ولكن يبقى هذا مجرد تقدير لا يكفي لردع أفكار العبقرية البشرية، ولا يمكن لأحد أن يتوقع أي تقنيات رائعة سيتم ابتكارها في العقود المقبلة.

في الوقت الحالي، يجب أن نكتفي بهذه المسابر الصغيرة، وإن حالفنا الحظ، قد نحصل أيضاً على بعض الصور قليلة الوضوح لكواكب بعيدة، تم بذل جهود كبيرة لتجميعها من إشارات ضعيفة تصلنا عن بعد 4 سنوات ضوئية.