صبغة حمض نووي جديدة

على الرغم من معرفة البنية الحلزونية المضاعفة لجزيء الحمض النووي، إلّا أنّ التنظيم ثلاثيّ الأبعاد لهذه البنية حيّر العلماء كثيرًا. إذ تحوي كلّ خلية شريطًا وراثيًّا من الحمض النووي يصل طوله إلى مترين تقريبًا داخل نواة الخليّة، في حين لا يتجاوز قطر هذه النواة جزءًا من الألف من المليمتر. وبحث العلماء كثيرًا عن إجابة تفسّر استيعاب هذه الكثافة العالية داخل النواة مع الحفاظ على وظيفيّة الحمض النووي.

وتؤثّر البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي وتنظيمه على كلّ العمليّات الحيويّة، بدءًا من عمل الخليّة وانتهاءً بتمرير جيناتنا إلى الأبناء. وقدّم علماء من معهد سالك في جامعة كاليفورنيا-سان دييغو أوّل نظرة للبنية ثلاثية الأبعاد للكروماتين البشري في هيئتها الصحيحة داخل نوى الخلايا البشريّة الحيّة. ولم يحظ أحد قبل هذه الدراسة برؤية الكروماتين دون استخراجه من الخلايا وتفكيكه ثم معالجته بتقنيات دراسة الحمض النووي.

وقدّم الباحثون في معهد سالك تقنيةً موحَّدةً جديدةً تُدعى «كروم إي إم تي،» تشمل تلوين الكروماتين بصباغ مغلِّف معدني يتيح تصوير الحمض النووي بوضوح عند فحصه تحت المجهر الإلكتروني. وتمكّن الباحثون من رؤية بنية الكروماتين في الخلايا المنقسمة والخلايا الخاملة، وقدّم المجهر الإلكتروني صورة تسهّل رؤية الهيكل المحيطي للكروماتين وتغيّراته بوضوح. وظهرت النتائج مختلفةً عن صورة الكروموسومات المنتشرة في الكتب التي تتحدّث عن الحمض النووي والانقسام الخلوي.

وقال هورنج آو المؤلف الأول في الدراسة والباحث في معهد سالك لموقع Phys.org «إنّ تصوير الكروماتين بنموذج تخيلي في الكتب المرجعيّة كان لأسباب تقنيّة. إذ أنّ استخراج الكروماتين من النواة وإخضاعه للمعالجة في أنابيب الاختبار سيجعل من شكله مختلفًا كثيرًا عن هيئته الأصليّة داخل الخلايا السليمة، لذا كانت رؤيته داخل الخلايا أمرًا ملحًّا.»

رؤية جديدة

ظهر الكروماتين كحبّات خرز على خيط تشكّل سلسلة شبه مرنة في الخلايا المنقسمة والخلايا الخاملة. وأظهرت هذه السلسلة قدرةً على الانحناء والالتواء لتحقيق مستويات متنوّعة من الرص والضغط على طول السلسلة، ويلمح ذلك إلى أنّ كثافة عمليّة الرص هي التي تحدّد المناطق النشطة والمناطق الخاملة في الجينوم، بدلًا من الاعتقاد الشائع بوجود تراكيب تنظيمية في مستوى أعلى تتحكّم بهذا الأمر.

واستخدم الباحثون أيضًا مجهرًا ثلاثيّ الأبعاد لإظهار عمليّة استنساخ الحمض النووي بأنزيم بوليمراز الحمض النووي الريبوزي وتؤثر هذه العمليّة بتنوّع كثافة رص الكروماتين. تقدّم هذه النتائج الحديثة فائدة أكبر من مجرّد تصحيح النموذج التوضيحي للحمض النووي وعمليّة الاستنساخ، إذ تفتح هذه النتائج أبوابًا جديدة على وسائل محتملة للوقاية من أمراض كالسرطانات وتشخيصها وعلاجها من خلال التحكّم بالوصول إلى الكروماتين. وسيتحقّق الباحثون في الخطوة القادمة من تطابق بنية الكروماتين وعالميّتها في جميع الخلايا والعضيّات الحيّة.