لعلاج أحد أكثر الأمراض غموضًا، يلزمنا فهم بنية العضو الأكثر تعقيدًا: وهو الدماغ البشري. لذا صمَّم علماء جامعة كاليفورنيا الجنوبية الأطلس التشريحي الأكثر تفصيلًا لنظام الذاكرة في الدماغ. وأعدَّ فريق الرسَّامين في الجامعة خريطةً تشريحية توضّح بنية الحصين (منطقة في الدماغ) بوضوح وتفصيل يجعلان الأب الروحي لعلم الخرائط الجغرافية «بطليموس» فخورًا بهذا الإنجاز. ونُشِرت نتائج هذه الدراسة في مجلَّة نيتشر للعلوم العصبية.

وقال مايكل بينكوسكي المؤلف الرئيس في الدراسة والباحث في جامعة كاليفورنيا الجنوبية «أنتجنا أشمل مخطّط تفصيلي يوضّح بنية منطقة الحصين في الدماغ. نستطيع الآن دراسة كل منطقة عصبية وفهم وظائفها. ولا شكَّ أنَّ وجود خريطة تشريحية تفصيلية سيسهم في فهم ارتباط تنكُّس الحصين بالأمراض العصبية التنكُّسية.»

ويقع الحصين في قاعدة الدماغ، ويظهر على شكل حصان البحر. ويلعب الحصين دورًا مهمًّا في تخزين الذاكرة وتنظيم المشاعر ومعالجة المعلومات المكانيّة. ويتأثَّر الحصين مبكِّرًا بداء ألزهايمر، ويؤدّي تنكُّسه إلى الصرع وأمراض أخرى.

اعتمد الباحثون بجزء كبير على أدمغة الفئران لتشاببها مع أدمغة البشر في التشريح العصبي. ويستطيع العلماء استخدام الخريطة التشريحية الجديدة لتوصيل أدوية جينية إلى خلايا عصبية محدَّدة بأقلّ آثار جانبية ممكنة.

ويُعَدُّ هذا البحث جزءًا من مشروع كونكتوم الفأري الذي خُصِّص لدراسة الاتصالات العصبية في أدمغة الفئران وتبادلها مع الباحثين في أكثر من 100 دولة حول العالم، فاضطراب الاتصالات العصبية يلعب دورًا في أمراض عديدة، مثل: داء هنتنجتون وداء باركنسون وداء ألزهايمر واضطرابات طيف التوحُّد وغيرها.

ولدى العلماء معرفة مسبقة بالبنية الأساسية للحصين، والمشكَّلة من أربعة أجزاء رئيسة. إلَّا أنَّ فريق جامعة كاليفورنيا الجنوبية أضاف إلى هذه المعرفة معلومات تفصيلية عن المناطق الثانوية وكيفية تفاعل الخلايا العصبية عبر الحصين. يتيح التمثيل البصري الجديد تتبُّع المسارات والاتصالات العصبية باستخدام الأصباغ، ما يجعل دراسة الخلايا واتصالاتها أسهل بكثير.

وقال بينكوسكي «تغيِّر هذه الخريطة التشريحية فهمنا من خلال دمج الشبكة العصبية ببيانات التعبير الجيني في منطقة الحصين لدى الفئران. لم نكن نرى هذه التفاعلات العصبية بمثل هذا الوضوح سابقًا، وسيتيح لنا ذلك فهم آليَّة عمل الحصين. لا ريب أنَّ لهذه النتائج تطبيقات عديدة واسعة الطيف.»

يمثّل داء ألزهايمر السبب السادس للوفاة بين كبار السن، وهو السبب الأول لفقد الذاكرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفقًا للمعهد الوطني للتقدُّم في السنّ. ويتسبَّب داء ألزهايمر في نحو 93 ألف وفاة سنويًّا في الولايات المتحدة، وتشير الإحصاءات إلى زيادة انتشار المرض مع ارتفاع العمر الوسطي في بين السكَّان وفقًا لمركز مكافحة الأمراض واتقائها.

ويُعَد مشروع كونكتوم الفأري جزءًا من مشروع أكبر تشرف عليه وكالة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية لرسم خرائط لجميع الاتصالات العصبية في الدماغ لفهم دور البنى المختلفة في تنظيم السلوك. ويركّز بحث جامعة كاليفورنيا الجنوبية على تصنيف الخلايا العصبية بناءً على الجينات ونمط الاتصال العصبية. وقد تساعد هذه المعلومات الباحثين على تطوير طريقة لاستهداف خلايا عصبية محدَّدة تسبِّب أمراض الدماغ. وفي الوقت ذاته، يعمل أكثر من 100 باحث في مشروع كونكتوم البشري وبميزانية قدرها 40 مليون دولار لدراسة الاتصالات العصبية في أدمغة البشر.

يحتوي الدماغ البشري على نحو 100 مليار خلية عصبية، وتسهم كلّ خليّة منها في نحو 10 آلاف اتصال عصبي، لذا تمثّل دراسة هذه الاتصالات مثالًا على قواعد البيانات الضخمة وستحتاج إلى عدد كبير من العلماء للتعامل معها. لا ريب أنَّ دراسة جامعة كاليفورنيا الجنوبية أسدت خدمةً عظيمة لهذا المشروع بتقديم نموذج مبسَّط في دراسة الحصين لدى الفئران.