يرى الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون، الرئيس التنفيذي لشركة فيرجن، أننا جميعًا نمارس عملنا بمشقة؛ مؤكدًا على إمكانية زيادة أيام العطلات الأسبوعية مستقبلًا، لتصل إلى ثلاثة أو أربعة أيام.

ونشر برانسون -الذي قاد دبابة في شوارع مدينة نيويورك وعبر القناة الإنجليزية بعربة برمائية- يوم الأربعاء الماضي، تغريدة على حسابه على تويتر؛ قال فيها «إذا عملنا جميعًا بشكل أذكى، فلن نضطر للعمل فترات طويلة» وأضاف في مقال نشره موقع فيرجن، إن الابتكارات الحديثة؛ مثل السيارات ذاتية القيادة والطائرات دون طيار، ستجعل الروبوتات تشغل وظائف كثيرة.

وليس برانسون الوحيد الذي يرى أن المستقبل سيكون أقل تطلبًا، إذ سبق أن طالب المؤسس المشارك لشركة جوجل، لاري بايج، بوضع حد لساعات العمل الأسبوعية الكثيرة، التي تصل لأربعين ساعة؛ وقال إن «فكرة حاجة الأفراد إلى العمل بشكل محموم لتلبية احتياجاتهم، غير صحيحة.» وفقًا لموقع كومبيوتروورد.

لا يتشارك جميع البشر النظرة الحالمة ذاتها لمستقبل الذكاء الاصطناعي إذ بدأت لدى الناس في الآونة الأخيرة مخاوف من مستقبل التعلم العميق للآلات وتطويرها لتقنيات التعلم الذاتي وقدرات الذكاء الاصطناعي التي قد تصل مستقبلًا إلى مراحل أكثر تقدمًا من أي شيء نعرفه اليوم.

ويخالف عدد من الأسماء اللامعة آراء برانسون وبايج، ويجنحون إلى تنبوءات متشائمة؛ وحذر إيلون ماسك، رجل التقنية الأول في العالم، مرارًا من الأتمتة وبث مخاوفه حيال مستقبل العمال.

وقال ماسك في القمة العالمية للحكومات، التي عُقِدت في دبي عام 2017 إن «كثيرًا من الناس يستمدون المغزى من وجودهم بفضل وظائفهم؛ فإن لم يكن من حاجة لعملك، فما هو المغزى من وجودك عندها؟ هل ستشعر عندها بأنك عديم الفائدة؟ ولا يوجد سوى خيار واحد، وهو الدخل الأساسي العالمي؛ أي فكرة توزيع الدخل الأساسي لكل مواطن من الدولة.» ويظن ماسك أن ذلك يعد ضرورة.

وبوجود رجال أعمال وأصحاب رؤوس أموال رافضين منحنا أيام عطل أكثر، معتبرين أنها أمر جلل، يبدو تطبيق ذلك في المستقبل القريب مستبعدًا.

التعلم العميق للآلات

ويتطلب التعلم العميق للآلات بنية معقدة تحاكي الشبكات العصبونية للدماغ البشري، بهدف فهم الأنماط، حتى مع وجود ضجيج، وتفاصيل مفقودة، وغيرها من مصادر التشويش. ويحتاج التعليم العميق للآلات، كمية كبيرة من البيانات وقدرات حسابية هائلة، توسع قدرات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى التفكير المنطقي، ويكمن ذلك في البرنامج ذاته؛ فهو يشبه كثيرًا عقل طفل صغير غير مكتمل، ولكن مرونته لا حدود لها.

مستقبل الأتمتة

وبإمكان الأتمتة زيادة فعالية الشركات، التي تملك جملة أسباب تدفعها للاستثمار في الفكرة، إلا أن كثيرًا من الإداريين لا يضعون ثقتهم بالتقنيات الحديثة -على الأقل حاليًا- إذ تُستبدل الطرق القديمة بمقاربات مختلفة كليًا، وتلك فكرة غير مريحة. ويعود تحفظ بعض الشركات على تطبيق الأتمتة، إلى قلة الثقة بها، وترى شركات أخرى أن العائق الأكبر هو إيجاد طريقة لدمج العمال البشريين مع الروبوتات والحواسيب بأكبر فعالية ممكنة.

هل تتسبب الأتمتة ببطالتنا؟

وعندما نفكر بالأتمتة تقفز إلى أذهاننا مباشرة المخاوف من تفشي البطالة بين العمالة البشرية إن استولى الذكاء الاصطناعي والآلات على مزيد من المهام، على الرغم من إيجابيات الذكاء الاصطناعي المتطور وقدرته على تحسين العالم ومكافحة الأمراض ورفع مستويات الرعاية الصحية وتخليصنا من مهام عبودية تهيمن على حياتنا؛ وذكر رئيس مركز الذكاء الاصطناعي والروبوتي في معهد الأمم المتحدة الأقاليمي لبحوث الجريمة والعدالة، إيركلي بيريدز، في حديث خاص لمرصد المستقبل، إن الذكاء الاصطناعي قد يتسبب بخسارة كثير من الأشخاص لوظائفهم لحلول الروبوتات محلهم.

وسبق أن سلط خبراء، الضوء على انعكاسات استثمار إمكانيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مختلف دول العالم؛ مؤكدين على أن الأعوام القليلة المقبلة ستشهد اختفاء حوالي 47% من الوظائف في الولايات المتحدة وحدها بسبب الذكاء الاصطناعي، وقد يصل اضمحلال الوظائف إلى مليون وظيفة قبل حلول العام 2026.

ولكن بالمقابل؛ يرى بعض صناع القرار أن اختفاء قدر كبير من الوظائف يقابله بوادر ومؤشرات على رفاهية الإنسانية ورخاء المجتمعات، إذ أن الذكاء الاصطناعي من المرجح أن يستحدث مئات الملايين من الوظائف الجديدة في الاقتصادات الناشئة، وقطاعات التطوير التقني، ومجالات الخدمات التخصصية.

ويرى مدير الهندسة في جوجل وأحد مستشرفي المستقبل المشهورين، راي كورزويل، أنه على الرغم من اختفاء بعض الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي مستقبلًا، فإن وظائف أخرى ستظهر. ولكنه لا يعرف بوضوح نوعية هذه الوظائف حتى الآن لأنها لم تظهر بعد؛ وقال إن «الذكاء الاصطناعي سيفيدنا في نهاية المطاف مثلما فعلت التقنيات السابقة. لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحل محلنا، بل سيدعمنا. وهو يؤدي هذا الدور بالفعل حاليًا.»

ويبدو أن تغيير الذكاء الاصطناعي لعالمنا بشكل جذري بات أمرًا محتومًا، لذا يجب ألا ننصاع لمخاوفنا، ومن المهم تطوير أفكار جديدة؛ مثل إعادة تدريب القوى العاملة وتغيير نماذج التعليم لوقاية العمال والموظفين من فقدان وظائفهم خلال مرحلة الدمج، ما سيعود بالفائدة في نهاية المطاف على المستهلكين والموظفين وأرباب العمل.