باختصار
أظهر بحث جديد أن الدماغ يبدأ في التفكير في «النماذج التمثيلية المعقدة» عند تذكره للأشياء، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التفاصيل التي لاحظها، الأمر الذي غيّر المفهوم الكلاسيكي عن «آلية إدراك الإنسان» للأشياء وتذكره لها.

إعادة النظر في آلية تذكر الإنسان

غيّر بحث جديد أجراه علماء من «معهد زوكرمان» التابع لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية المفهوم الكلاسيكي عن «آلية إدراك الإنسان» للأشياء وطريقة تذكره لها، إذ أظهر البحث أن الدماغ يعالج أولًا تفاصيل الأشياء عند النظر إليها ثم يُشكل نماذجًا داخلية للأشياء الأكثر تعقيدًا، لكن عند تذكره للأشياء، فهو يفكر في تلك النماذج التمثيلية المعقدة أولًا لينتقل بعدها إلى التفاصيل التي لاحظها عند إنشاء الذاكرة.

وقد يكون للبحث المُعتمِد على «مُبَرهنة بايز» ونماذج رياضية أخرى تطبيقاتٍ عملية في مواضع عديدة، بدءًا من تقييم مصداقية الإفادات في أروقة المحاكم ووصولًا إلى علاج المصابين بمشاكل في معالجة الإحساسات مثل المصابين بالتوحد.

دفع شُحُّ الأدلة المباشرة العلماءَ إلى افتراض أن الإدراك والتحليل يتبعان التسلسل الهرمي ذاته، بدءًا بالتفاصيل وانتهاءً بالأشياء المعقدة، لكن البحث نقض صحة ذلك الافتراض، لأن عملية تحليل البيانات تحدث أثناء عملية التذكر.

ركز الفريق على وظائف التذكر البسيطة سهلة التفسير للكشف عن التسلسل الهرمي لعملية التحليل في الدماغ، ففي المهمة الأولى، شاهد الأشخاص خطًا يميل بزاوية °50 لمدة نصف ثانية على شاشة حاسوب ليختفي الخط بعدها، فأدار الأشخاص نقطتين متباعدتين إلى زاوية ميل تقارب زاوية الخط السابق، ونجح الأشخاص في تلك المهمة 50 مرة.

وكانت المهمة الثانية مماثلة للأولى، إلا أن الزاوية تغيرت إلى 53°، أما في المهمة الثالثة، شاهد الأشخاص الخطين في الوقت ذاته، وحاولوا مقاربة أزواج النقاط إلى الزوايا المشابهة.

حقوق الصورة: نينج كيان/جامعة كولوكبيا، معهد زوكرمان.
حقوق الصورة: نينج كيان/جامعة كولوكبيا، معهد زوكرمان.

وقال «نينج كيان» -عالم الأعصاب في معهد مورتيمر بي. زوكرمان لسلوكيات الدماغ، والباحث الرئيس في الدراسة- في مؤتمر صحفي «عادةً ما تكون ذكريات الزوايا غير دقيقة، الأمر الذي أكدناه في المرحلة الأولى من مهمات الخط الواحد، بينما توقعت النماذج التقليدية في مهمات الخطين، أن يتذكر الأشخاص خط الزاوية 50 أكثر من خط الزاوية 53،» والجدير بالذكر أن تلك النتائج لم تكن وحيدة، إذ ظهرت نتائج أخرى تُخالف النماذج التقليدية.

توضيح العملية

توصل الباحثون إلى أن السياق أهم من التفاصيل في أحداث الحياة اليومية، ما يجعل التحليل العكسي للبيانات منطقيًا أكثر. فمثلًا، تُعد تعابير الوجه وديةً كانت أم غاضبة الأهم عند رؤية وجه جديد، ليأتي التركيز على التفاصيل مثل سمات الوجه بعدها، وقد يضطر الشخص إلى تقدير تلك التفاصيل إن دعت الحاجة، وقال كيان «تُظهر تجارب الأشخاص اليومية انتقال الإدراك من المستويات المرتفعة إلى المستويات المنخفضة.»

أنشا الفريق في الخطوة التالية نموذجًا رياضيًا لإيضاح فكرته عما يحدث في الدماغ مستخدمًا الاستدلال البايزي، إذ استعان بخصائص معقدة ذات مستوى أعلى -كمعلومات أولية في النموذج الإحصائي لتحليل خصائص المستوى الأقل- بدلًا من التفاصيل المستخدمة لتحليل الصورة أو تذكرها كاملةً، فلاحظ الفريق توافق توقعات النموذج مع «البيانات السلوكية.»

يخطط الباحثون لمتابعة أبحاثهم عبر تطبيق نتائجهم في دراسات على الذاكرة طويلة الأجل، لا الإدراك البسيط فحسب، ما قد يحمل بين طياته تطبيقاتٍ كثيرةٍ في شتى المجالات، بدءًا من تقييم مصداقية الشهود في المحاكم، ووصولًا إلى علاج المصابين بمشكلات في معالجة الإحساسات لتقييم أهلية مرشحي الرئاسة، وقد يساعد البحثُ علماءَ الحاسوب أيضًا في دراسة تقدم الرقاقات التي تضاهي قوة العقل البشري، بعد وصول تلك الرقاقات إلى دقةً إدراكيةً مشابهةً.