باختصار
  • ابتكر باحثون من معهد إم آي تي حالةً جديدةً للمادة، يُطلق عليها اسم "الصلابة الفائقة"، والتي تبدو متناقضة.
  • تجمع المواد الصلبة الفائقة بين خواصّ الأجسام الصلبة والسوائل بلزوجةٍ معدومة، ويمكن أن تُستخدم لتحسين فعالية نقل الطاقة.

الثنائي الفائق

أصبح لدينا الآن حالةٌ جديدةٌ للمادة، يُطلق عليها اسم الصلابة الفائقة، ابتكرتها مختبرات معهد إم آي تي. تبدو هذه المادة متناقضةً، فهي تجمع بين خواص المواد الصلبة والسوائل الفائقة -أو السوائل بلزوجةٍ معدومة- والتي تتدفق بدون فقدان الطاقة الحركية. توقّع العلماء وجود المادة الصلبة الفائقة من قبل، لكنها لم تظهر في المختبر حتى الآن.

قال رئيس الفريق فولفجانج كيترلي، بروفيسور الفيزياء في إم آي تي والحائز على جائزة نوبل في عام 2001: "من التناقض وجود مادةٍ تجمع بين حالتي السيولة الفائقة والصلابة. على سبيل المثال، لو كانت قهوتك من السوائل الفائقة وقمت بتحريكها، فهي ستستمر بالدوران إلى ما لا نهاية". تم نشر البحث في مجلة نيتشر.

من أجل تكوين هذه الحالة المتناقضة للمادة، قام فريق كيترلي بتعديل حركة الذرات لغازٍ خفيفٍ ضمن حالة السيولة الفائقة، والذي يُطلق عليه اسم متكثِّف بوز-آينشتاين (BEC)، وهو المادة التي ساعد كيترلي باكتشافها وحاز بسببها على جائزة نوبل للفيزياء. يشرح كيترلي العملية بقوله: "كان التحدي الذي يواجهنا هو إضافة شيءٍ إلى المتكثّف BEC بهدف تكوين شكلٍ أو حالةٍ جديدةٍ مماثلةٍ لخصائص الأجسام الصلبة".

تصنيع المادة

استخدم الفريق شعاعاً ليزرياً ضمن غرفةٍ مخلاةٍ تماماً من الهواء لتحويل حركة ذرات المتكثّف إلى حالة الترابط المغزلي المداري، وهي الحالة التي تتفاعل فيها حركة الجسيمات مع دورانها المداري. بدايةً، استخدمت مجموعةٍ أوليةٍ من الليزرات لتحويل نصف ذرات مادة المتكثّف إلى دورانٍ مختلف أو حالةٍ كموميةٍ مختلفة. وبهذه العملية تكوّن مزيجٌ من مادتين مختلفتين من المتكثّف. ثم قاموا بتحويل الذرات بين المتكثّفين المختلفين باستخدام مجموعةٍ إضافيةٍ من الليزرات، ليشكّلوا بذلك حالة "التقلُّب الدوراني".

المعدات المستخدمة لتكوين المادة الصلبة الفائقة
المعدات المستخدمة لتكوين المادة الصلبة الفائقة

قال كيترلي: "زوّدت الليزرات الإضافية الذرات المتقلبة دورانياً بدفعةٍ إضافيةٍ لتحقيق حالة الترابط المغزلي المداري". بحسب توقعات الفيزيائيين، يجب أن تكون المادة الناتجة صلبةً فائقةً، وسيمتلك المتكثّف المترابط مدارياً تعديلاً ذاتياً للكثافة. بعبارةٍ أخرى، لن تبقى كثافة المادة الناتجة ثابتةً، بل ستكون في حالةٍ متموجةٍ مشابهةٍ للأجسام الصلبة المتبلورة.

يقول الباحث والطالب في إم آي تي، جونرو لي: "إن وصفة تحضير المادة الصلبة الفائقة بسيطةٌ للغاية. لكن، يكمن التحدي في رصف الأشعة الليزرية بدقةٍ متناهية، وضبطها بحيث نحصل على استقرار الحالة المتموجة للمادة". وأضاف لي، أن مراقبة التعديل الذاتي للكثافة كان أمراً صعباً، حيث اضطر الفريق إلى استخدام شعاعٍ ليزريٍ آخر لمراقبة انعراجه بسبب تعديل الكثافة.

يمكن أن تقود دراسة الأجسام ذات الصلابة الفائقة إلى معرفة المزيد عن خصائص السوائل الفائقة والنواقل الفائقة، والتي قد تكون سبباً في تحسين فعالية نقل الطاقة. كما يمكن أن تكون الأجسام الصلبة الفائقة مهمةً في تطوير مغانط وحساساتٍ ذات ناقليةٍ فائقة.

ستبقى هذه التطبيقات رهن المستقبل، وخصوصاً لأن الأجسام الصلبة الفائقة توجد ضمن ظروف الخلاء التام وتحت درجات الحرارة المنخفضة جداً. وسيتابع فريق كيترلي دراسته لخصائص هذه الأجسام، بإجراء المزيد من التجارب المتعلقة بالترابط المغزلي المداري.

قال كيترلي: "سنحاول معرفة ما هو ممكنٌ في الطبيعة باستخدام ذراتنا الباردة. وبما أننا أثبتنا تجريبياً صحة النظريات التي توقعت وجود الأجسام ذات الصلابة الفائقة، نأمل في استلهام المزيد من البحث الذي يمكن أن يقود إلى نتائج غير متوقعة".