باختصار
أعاد باحثون إحياء فيروس جدري الخيول المنقرض باستخدام حمض نووي تخليقي مرسل عبر البريد بتكلفة 100 ألف دولار أمريكي فقط. ويتيح هذا الإنجاز إمكانيّة تصنيع لقاحات أفضل للعديد من الأمراض، لكنّه يفتح أبواب تصنيع الأسلحة البيولوجيّة من خلال تصنيع الفيروسات.

إحياء فيروسات منقرضة

أعاد باحثون كنديون إحياء فيروس جدري الخيول المنقرض في العام الماضي من خلال ميزانيّة صغيرة باستخدام حمض نووي مرسل عبر البريد. قد لا يبدو هذا العمل إنجازًا كبيرًا، لكنّك ستعيد النظر إذا أدركت سهولة هذه التقنية وانخفاض تكلفتها، ممّا يتيح لأي شخص إعادة شيء كفيروس الجدري الذي أرهب البشر لفترات طويلة عبر تاريخهم. وكان هدف البحث -الذي لم يُنشر- هو تصنيع لقاحات أفضل وعلاجات محتملة للسرطان. وأقرّ ديفيد إيفانس مشرف البحث في جامعة ألبيرتا أنّه أنجز البحث لإثبات سهولة هذه التقنية وللفت الانتباه إلى إمكانية تصنيع الفيروسات دون الحاجة لميزانية كبيرة أو خبرة بيولوجية عميقة أو حتى وقت طويل. وقال لمجلة ساينس «على العالم تقبّل حقيقة أنّه يمكنك اليوم صناعة هذه الأشياء -كالفيروسات- في بيتك، وعلى المجتمع العلمي إيجاد طريقة للتعامل مع هذا الوضع والحد من مخاطره.» وسيشعل هذا الإنجاز جدلًا واسعًا في مجتمع علوم الطب والأحياء.

أحضر الباحثون قطعًا متداخلة من الحمض النووي من شركة تجاريّة للحمض النووي التخليقي. وتألّفت كلّ قطعة من 30 ألف زوج قاعدي تقريبًا، واستطاع الفريق -بسبب تداخل القطع- توصيل هذه القطع ببعضها لصناعة جينوم كامل مؤلّف من 212 ألف زوج قاعدي لفيروس جدري الخيول. وعندما أدخِل هذا الجينوم إلى خليّة كانت مصابة سابقًا بنوع آخر من فيروسات الجدري، بدأت الخليّة بإنتاج جزيئات فيروسية لجدري الخيول العدوائي. لا يصيب فيروس جدري الخيول البشر، لكنّ أنواعًا أخرى من الجدري تستطيع ذلك. وإذا نجحت هذه التقنية مع أحد أنواع الجدري، فإنّ غالب الظنّ أن تنجح مع الأنواع الأخرى. وعرض فريق آخر من الباحثين هذه التقنية لأوّل مرة في ورقة بحث نُشِرت في مجلّة فعاليّات الأكاديمية الوطنيّة للعوم «بي ناس» في عام 2002.

الآثار المتوقَّعة

لا تُعَدُّ فكرة تخليق فيروس الجدري حدثًا جديدًا على العالم، إذ استطاع علماء الفيروسات في عام 2002 تركيب فيروس السنجابيّة -الذي يسبب شلل الأطفال- من الصفر. إلّا أنّ تصنيع فيروس جدري الخيول يطرح أسئلة عن إمكانيّة استغلال التقنيات الحيوية الحديثة لتجهيز الجماعات الإرهابيّة بأسلحة فيروسيّة، واسترعت هذه الأسئلة تركيز العلماء لمناقشة تنظيم العمل العلمي. وقال باول كيم خبير فيروس الجمرة في جامعة نورثرن أريزونا لمجلّة ساينس «نواجه دائما تجربةً أو حدثًا يسترعي التدقيق والانتباه، ويبدو أنّ هذا الحدث يوجب على الجهات المختصّة إعادة التفكير بتنظيم التجارب العلميّة.»

وينهي هذا العمل أيضًا الجدل القديم المتعلّق بالعيّنات القليلة لفيروس الجدري الموجودة في العالم. إذ اختلف العلماء كثيرًا بشأن إتلاف هذه العيّنات أو تخزينها لأغراض الدراسة، لكنّ قدرة تصنيع هذا الفيروس -أو فيروسات شبيهة به- ستجعل إتلاف العيّنات أو تخزينها أمرًا غير مؤثّر. وقال بيتر جارلينج عالم الفيروسات في المعهد الوطني للأمراض الخمجية والتحسّسية في حديث مع مجلة ساينس «قد تظنّ أنّ تخزين الفيروسات في ثلاجات مؤمّنة يحلّ المشكلة، لكن الحقيقة أنّه لا يفعل. فالمارد خرج من المصباح.»

تعيدنا هذه المشكلات إلى ديفيد إيفانس من جامعة ألبيرتا، والذي أشرف على بحث تصنيع فيروس جدري الخيول. كانت فيروسات الجدري تُعَدّ شائعةً بين الحيوانات وتصيب أعدادًا كبيرةً منها، وتصيب البشر كذلك، لكنّ مكافحتها وإيقاف انتشارها جعل من دراسة العيّنات المحفوظة في مركز مكافحة الأمراض واتقائها صعبًا للغاية. قدّم إيفانس طلبًا لدراسة عيّنات من جدري الخيول لمركز مكافحة الأمراض واتقائها، لكنّ المركز رفض طلبه لأنّ أهدافه كانت تجاريّة. لذا لجأ إيفانس إلى تخليق عيّنة جديدة من الفيروس بدلًا من ذلك، أملًا في تحسين صناعة اللقاحات. وقال إيفانس لمجلّة ساينس عن فيروس الجدري «إنّ لقاح الجدري من أنجح اللقاحات في تاريخ البشريّة، ويُعَدّ حجر الأساس في علوم المناعة والأحياء الدقيقة. لكنّنا لا نعرف عنه الكثير، ممّا يطرح أسئلة أكاديميّة مهمّة وكبيرة.»