باختصار
أظهرت أبحاثٌ حديثةٌ أنّ كلّ خليّةٍ عصبيّة في الدماغ مميَّزةٌ جينيًّا بسبب الطفرات التي تحدث على مستوى الخليّة المفردة. وتقدّم هذه الدراسة رؤيةً جديدةً عن عوامل الخطورة المسببة للأمراض العصبية والنفسية.

لا توجد خليتان عصبيتان متشابهتان

على الرغم من البحث المكثّف عن الأصل الجيني لكثيرٍ من الأمراض العصبيّة كالتوحّد والفصام، لم يكتشف العلماء سوى عدّة عوامل خطورةٍ لا ترقى إلى أن تكون سببًا مباشرًا. وترتبط عوامل الخطورة المعروفة بمجموعاتٍ صغيرةٍ فقط من المرضى، إذ لا توجد هذه العوامل في جميع المصابين بمرضٍ محدّد.

ويدرك العلماءُ الصعوبة الكبيرة لدراسة الطفرات الجينيّة المسببة للأمراضَ العصبيّة، إضافةً إلى أنّ الطفرات المهمّة والتي تنتقل بالوراثة وتسبّب الأمراض تقلُّ فرصةُ انتقالها عبر الأجيال. دفعت هذه المشكلاتُ العلماءَ للسؤال عن أصل الأمراض العصبية وأماكن اختبائها.

حقوق الصورة: شبكة التزيّق الجسدي في الدماغ من مجلة سيانس
حقوق الصورة: شبكة التزيّق الجسدي في الدماغ من مجلة سيانس

 

خلافًا للمعلومات السائدة التي تنص على أن الخلايا العصبية في دماغ الفرد تتطابق في شيفرتها الجينية، اكتشف الباحثون حديثًا أنّ خلايا الدماغ لا تملك الجينوم ذاته. ويُعزى ذلك لظاهرة التزيّق الجسدي، (أو الفسيفساء الجينية) وهي حالةٌ بيولوجية تحدث في الخلايا الجسدية «كالخلايا العصبية» بسبب الطفرات التلقائية. وأدّى اكتشافُ ذلك إلى إنشاء شبكة التزيّق الجسدي في الدماغ، وتهدف الشبكة إلى استكشاف هذا التنوّع الجيني ودراسة ارتباط الطفرات المتنوّعة ضمن الخلايا العصبية بالأمراض العصبية.

علاج أمراض العقل

يدرك العلماءُ حاليًّا أن التزيّق حالةٌ شائعة، وأنّه ربما يوجد آلاف التغيّرات على مستوى الشيفرة الجينية ضمن الخلايا العصبية للفرد الواحد. وتُعَدّ الأخطاءُ التلقائية التي تحدث أثناء تناسخ الحمض النووي السبب الرئيس للتزيق الجسدي. وتنقسم الخلايا العصبية الأصلية مليارات المرات حتى تُشَكّل الدماغ البشري المكتمل، لذا فإنّ حدوث الأخطاء الصغيرة أثناء التناسخ يصبح احتمالًا كبيرًا، وقد يكون أيٌّ منها عاملًا مرتبطًا بأحد الأمراض العصبية.

تعيش الخلايا العصبية الناضجة عمرًا أطول من الخلايا الأخرى في الجسم، لذلك تؤثّر الطفرات الجسدية في الخلايا العصبية على الصحة أكثر من غيرها. وربّما لم يكتشف الباحثون الأصلَ الجينيَّ للأمراض النفسية في الماضي بسبب بحثهم في الطريق الخاطئ حين ركّزوا أبحاثهم على الخلايا الجنسية. إذ قد يكون الحمض النووي المسؤول عن هذه الأمراض العصبية موجودًا في الخلايا العصبيّة فقط، بعيدًا عن سَلسَلة الجينات الوراثية ورصدها سابقًا.

ويرى الباحثون أنّ دراسة التزيّق الجسدي لن تساعدنا في فهم التنوع العصبي فحسب، بل قد تساعدنا أيضًا في فهم التنوع البشري عمومًا. لذا تُصبِح سَلسَلة الجينوم في الخلايا العصبية للفرد الواحد خطوةً مهمَّةً تسعى إليها «شبكة التزيق الجسدي في الدماغ.» ويتوقّع أعضاء المجموعة الحصولَ على 10 آلاف متوالية على الأقل بحلول العام 2020.

قد يقود هذا المشروع إلى خيارات علاجيّة جديدة، وربّما يقودنا إلى شفاء بعض الأمراض العصبية أيضًا. وتسبّب الأمراض العصبية حاليًا 12% من حالات الوفاة سنويًّا. وعلّق أليسون موتري عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو في مجلة ساينتفك أميركان «إنّني متشوِّقٌ جدًّا، فهذه النتائج هي بداية شيءٍ جديد تمامًا في علوم الأحياء والعلوم العصبية،» علمًا أنّ أليسون موتري ليس عضوًا في شبكة التزيق الجسدي في الدماغ.