باختصار
اكتشف فريق من الفيزيائيين أسرارًا جديدةً تتعلَّق بآليَّة تنبيه الخلايا العصبية واستثارتها لإرسال الإشارات. وتخالف هذه الاكتشافات الحديثة مبادئ ظلَّت سائدةً لمئة عام بين العلماء. وقد يسهم هذا الاكتشاف الجديد في فهم أسباب بعض الاضطرابات العصبية، وقد يساعد أيضًا في تطوير تقنيات الشبكات العصبية الحاسوبية الجديدة.

يوجد أكثر من 80 مليار خليّة عصبية في الدماغ، تتشابك كلُّ خليَّة منها مع خلايا أخرى لتشكّل ترليونات الاتصالات التي تعرف بالمشابك العصبية. يبدو الرقم مُدهِشًا عند سماعه، لكنَّ آليَّة إسهام كل خليّة عصبية في وظائف الدماغ أكثر إدهاشًا وأدعى للجدل والحيرة.

غيَّرت دراسة جديدة افتراضاتنا عن آليَّة إطلاق الخلايا العصبية لإشاراتها، واقترحت آليَّات جديدة قد تفسّر بعض الأمراض العصبية. وأجرى فريق من الفيزيائيّين تجربةً على خلايا فئران عصبية منمَّاة مخبريًّا، وركّز الباحثون على دراسة استجابة الخلايا العصبية للتنبيهات التي تستقبلها من خلايا أخرى.

لنفهم أهمّية دراسة هذه المسألة، علينا أن نعود بالزمن إلى عام 1907 عندما اقترح لويس لابيك عالم الأعصاب الفرنسي نموذجًا يفسّر زيادة جهد الغشاء الخلوي عند تطبيق تيّار كهربائي عليه. فعندما يصل الجهد إلى عتبة معيَّنة، تستجيب الخلية العصبية بإحداث موجة تفريغ كهربائية ليعود جهد الغشاء الخلوي إلى حدوده الطبيعية. وهذا يعني وفقًا لما اقترحه لابيك أنّ الخلية العصبية لن ترسل إشارتها إلَّا إذا تلقَّت تنبيهًا كافيًا.

لم تكن افتراضات لابيك ومعادلاته هي الكلمة الحاسمة في المسألة. ولكنَّ المبادئ الأوَّلية لنموذج التفاعل والإطلاق الذي افترضه لم تتغيَّر منذ اقترحها، وما زالت تسهم حتَّى اليوم في تأسيس المخططات العصبية الحاسوبية.

حقوق الصورة: نيتشد/فليكر

ووفقًا لما قاله الباحثون، فإنَّ التاريخ الطويل لهذه الفكرة يشير إلى أنَّه لا أحد شكَّك بدقَّتها. وقال إيدو كانتر الباحث الرئيس في الفريق «وصلنا إلى استنتاجات أخرى من خلال تجهيزات مخبرية جديدة، هذه النتائج كان سهلًا الوصول إليها بالتقنية المتاحة منذ عام 1980.  لكنَّنا نظنُّ أنَّ هذا التأخير نتج عن تجذُّر الأفكار السائدة في عقول المجتمع العلمي لمدَّة مئة عام.»

درست التجارب هذه المسألة من زاويتين، الأولى طرحت السؤال عن علاقة طبيعة الإشارة التي تطلقها الخلية العصبية بمكان تطبيق التيار الكهربائي عليها، والثانية بحثت في تطبيق عدَّة تنبيهات على الخليَّة العصبية وأثر ذلك على الإشارة التي ستطلقها الخلية.

أشارت نتائج هذه التجارب إلى أنَّ اتّجاه التنبيه الذي تتلقَّاه الخليّة العصبية قد يحدث تفاوتًا كبيرًا في طريقة استجابتها. فمثلًا تطبيق تنبيه ضعيف من يسار الخليّة مع تنبيه ضعيف آخر من يمين الخليّة لن يسبّب إطلاق الخلية العصبية لأي إشارة. وفي المقابل يؤدي تطبيق تنبيه قوي واحد من جهة معيّنة إلى استثارة الخليّة لترسل إشارة عصبية.

قد يؤدّي هذا الفهم الجديد الذي يُعرف سابقًا باسم التجميع المكاني إلى تغيير طريقة تصنيف الخلايا العصبية، بناءً على التنبيهات الواردة ونقائها، واعتمادًا على اتّجاه ورود التنبيه. وقد يسهم هذا الفهم أيضًا في اكتشاف تفسيرات لبعض الاضطرابات العصبية.

ليس من الحكمة تخطئة آراء الخبراء التي استمرَّت قرنًا من الزمان بناءً على نتائج دراسة واحدة. ويقرُّ الباحثون أنَّهم لم يختبروا سوى نوع واحد من الخلايا العصبية يسمى العصبونات الهرمية، وما زالوا بحاجة لمزيد من الأبحاث على هذا الصعيد.

إنّ الفهم الدقيق لكيفية اتّحاد العناصر المنفردة التي تنتج سلوكنا المعقَّد قد يسهم في مجالات علميّة وبحثية أخرى. وسيؤدي تطوُّر أنظمة الشبكات العصبية التي تدخل في تقنيات حاسوبية مستقبلية، إلى اكتشاف أسرار جديدة في خلايا الدماغ قد تسهم في تطبيقات مهمَّة في هذا المجال.

نُشِر هذا البحث في مجلة ساينتفك ريبورت