الكيمياء الكمومية

تعلِّمنا كيمياء الكم أنَّ الجسيمات غير المرصودة قد تسلك سلوك الموجات في الفضاء. وتُعَدُّ هذه الظاهرة لغزًا فلسفيًّا ويصعب دراستها تِقنيًّا. وأوضح فريق من جامعة فيينا أنَّ تكامل علوم الكيمياء الكمِّية مع مبادئ قياس التداخل الكمِّي التجريبي قد يتيح لنا التعرُّف على الخصائص الإلكترونية والضوئية للجزيئات الحيوية، مثل الفيتامينات. ونُشرت نتائج دراسة الفريق في الإصدار الدولي لمجلَّة أنجيفاندي شيمي «الكيمياء التطبيقية.»

توضّح هذه الصورة أنَّ الفيتامينات التي تتشكَّل طبيعيًّا قابلة للضبط في حالات كمومية خاصَّة تسهِّل قياس خصائص جزيئات الفيتامينات الإلكترونية. حقوق الصورة: كريستيان نوبلوخ، مجموعة كيو إن بي من كلّية الفيزياء في جامعة فيينا.

التداخل الكمّي ومبادئ القياس في الجزيئات

على الرغم من أنَّ الفيتامينات تلعب دورًا محوريًّا في العمليات الحيوية في الجسم، لكنَّ الحالة الغازية منها لم تُدرَس جيِّدًا. وبحثت جامعة فيينا مؤخَّرًا في إمكانيَّات الطرائق الكمومية لدراسة الجزيئات الحيوية. وحضَّر لوكاس ميرهوفر وساندرا آيبينبرجر وزملاؤهما حِزَمًا جزيئية من فيتامينات ألف وإي وكاف1 والتي تُسمَّى بيتا-كاروتين وألفا-توكوفيرول وفيلوكينون على الترتيب. تتطاير هذه الجزيئات في الفراغ عبر ثلاثة محزِّزات نانوية «شبكات انعراج.» يجبر المحزِّز الأوَّل جميع الجزيئات على المرور في شق من ألف شق يبلغ عرض كلّ واحد منها 110 نانومتر. ووفقًا لمبدأ الارتياب لهاينزبرج، فإنَّ هذا التقلُّص في الحيز الجزيئي يقتضي عدم التأكُّد من اتجاه حركة الجزيئات، أي أنَّ الجزيء يصبح غير متموضع مكانيًّا. وعندما تصل الحالة الحركية لكلّ جزيء إلى هذا الوضع، يصبح مستحيلًا تتبُّع مسار كلّ جزيء أثناء التجربة.

يُرصَد المحزِّز الثاني باستخدام حزم ليزر مرتفعة الطاقة تظهر صورتها معكوسة على مرآة داخل حيِّز التجربة. تتشكَّل موجة ضوئية موقوفة «راكدة،» وهي ترتيب دوري لمناطق عالية الشدة ومنخفضة الشدة الضوئية. عندما تصل الموجات إلى هذا المحزِّز الثاني، فإنَّ الموجات تكون غير متموضعة وتغطِّي مناطق نيِّرة ومناطق معتمة بخصائصها الموجية على مساحة قد تتجاوز مئة ضعف حجم كلّ جزيء. وتتسارع الجزيئات بين المناطق النيرة والمناطق المعتمة. يغيِّر هذا مقدّمة الموجة الكمومية. ولأنَّ الجزيئات لا تتَّبع مسارًا محدَّدًا وإنَّما تراكُبًا مكانيًّا كموميًّا وفقًا للمسارات المحتملة ضمن الآلة، يظهر نمط تداخلي يعتمد على توزُّع الاحتمالات الدوري لإيجاد الجزيء في موقع محدَّد. يُقارن هذا النمط مع حالة المحزِّز الثالث الذي يمثِّل نسخة من المحزِّز النتريدي الأوَّل.

القياس الكمومي في الجزيئات الحيوية

يُستخدم النمط التداخل التركيبي عالي الدقة في أدوات القياس الكمومي لاكتشاف الانحرافات النانوية للحزم الجزيئية التي يصعب قياسها بالوسائل العادية. إنَّ ضبط النمط التداخلي وموضعته يتيح استنباط معلومات عن تفاعل الجزيئات الحيوية مع الوسط الخارجي. يتضمَّن ذلك تفاعلات الجزيئات مع حزم الليزر المحيِّدة ومع المجالات الكهربائية المضبوطة التي تزيح نمط الكثافة الجزيئي. يستخدم الباحثون هذه التقنيات لتحديد الخصائص الإلكترونية والضوئية للجزيئات الحيوية. على سبيل المثال، تلعب فيتامينات ألف وإي وكاف1 أدوارًا مهمَّة في التمثيل الضوئي، ما يجعلها مرشَّحة لهذه الدراسة. وقال لوكاس ميرهوفر رئيس الدراسة معبِّرًا عن سعادته «أصبح لدينا أداة موحَّدة ومحسَّنة لقياس خصائص الجزيئات الحيوية.»

المقارنة بالمحاكيات الجزيئية

قورنت النتائج التجريبية بنتائج المحاكاة. تتيح محاكاة الحركية الجزئية التقليدية توضيح تطوُّر البنية الجزيئية عبر الوقت وعرضها على نظرية الكثافة الوظيفية لتقييم خصائص الجزيء الإلكترونية. تتيح هذه العملية التوفيق بين التجربة والمبادئ النظرية. ويمثِّل الدمج بين كيمياء الكم ومبادئ قياس التداخل الجزيئي مثالًا ناجحًا للتكامل بين علم البصريات الكمومية والكيمياء الفيزيائية.

قدَّم هذا المقال جامعة فيينا. وعُدِّل عليه لمراعاة السهولة والوضوح.