ستستطيع في المستقبل مراقبة صحَّتك فوريًّا عبر وشوم إلكترونيَّة، وسيتتبَّع جهاز مثبَّت على أسنانك النظام الغذائي الذي تتناوله. وسيصبح لديك مختبر طبّي مثبَّت في شريحة قابلة للارتداء لكشف العلامات المبكَّرة للأمراض. ويُفترض أن تتحسن صحة الناس عبر هذه المراقبة الطبّية والمعلومات المتاحة. أليس كذلك؟

ربَّما لا تتحقَّق الأهداف التي نسعى إليها فعلًا. يرى بعض الأطبَّاء أن ما سيحدث فعلًا سيكون عكس ما نأمله. إذ ستؤدِّي التقنية إلى المبالغة في تشخيص مشكلات صحّية قد لا تكون خطيرة، ما يسبِّب القلق بين المرضى ويعرِّضهم لعمليَّات طبِّية لا يحتاجونها.

لخَّص الطبيب إتش جيلبرت ويلش الذي كرَّس حياته المهنية لمحاربة الإفراط في التشخيص المشكلة لمجلَّة نيو ساينتست قائلًا «هل يريد الناس الحصول على رعاية طبّية ليتجاوزوا المشكلات الطارئة التي يواجهونها فحسب؟ أم يريدون الاستفادة من المعرفة الطبّية لاكتشاف أصل سبب مشكلاتهم الصحّية؟»

كلَّما زادت التقنية تعقيدًا وخصوصيَّةً، كبرت هذه المشكلة أكثر. ونستطيع رؤية ذلك في سياق مرض السرطان، إذ بفضل الخزعات السائلة وفحص النفَس واختبارات الدم السريعة وأنظمة الذكاء الاصطناعي أصبح الأطبَّاء أكثر قدرة على كشف السرطان في مراحل باكرة.

يصعب على الأطبَّاء والمرضى أن يسمعوا بكلمة السرطان ويقفوا عاجزين عن التدخُّل. لكنَّ بعض السرطانات لا تشكِّل خطرًا حقيقيًّا على المرضى، إذ تنمو ببطء شديد أو لا تنمو أبدًا. وقد تختفي بعض الأورام دون تدخُّل أيضًا.

ولاحظ ويلش في دراسة أجراها مؤخَّرًا أنَّ المستشفيات التي تجري تصويرًا مقطعيًّا بكثرة، لديها معدَّلات أعلى لاستئصال الكلى، إذ تكتشف هذه الصور الشعاعية سرطانات الكلية الصغيرة. حين يكتشف الطبيب هذه السرطانات الصغيرة، يبدأ علاجها بأدوية قويَّة على الرغم من أنَّ بعض هذه الأورام لا تشكِّل خطرًا على صحَّة المريض. ويعني هذا أنَّ مرضى كثيرين خضعوا لعمليَّات جراحية لا يحتاجون إليها.

وأظهر بحث أجري على متلازمة المبيض متعدِّد الكيسات أنَّ تشخيص هذا المرض «الذي يسبِّب العقم ويزيد خطر الإصابة بداء السكَّري وأمرض القلب» لدى النساء اللاتي لا يعانين من أي أعراض أدَّى إلى مشكلات نفسية شديدة. ولم تقلِّل اختبارات التحرِّي وزيادة معدَّل التشخيص لسرطانات الثدي والغدة الدرقية والبروستات أعداد المرضى الذين عانوا من مراحل متقدِّمة من هذه السرطانات.

يبدو أنَّ المبالغة في التشخيص تؤدِّي إلى اضطراب التوازن الطبِّي. وتشير مدوَّنة نشرتها وكالة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة إلى أنَّ فوائد اختبارات تحرِّي السرطانات في المراحل الباكرة ترجح على أضرارها عمومًا، لكنَّ التدابير التي يجب اتخاذها لكلِّ مريض ينبغي أن تُدرس جيِّدًا وفقًا للمخاطر الحقيقية وحالة كل مريض شخصيًّا. وينطبق الأمر ذاته على تبعات تطوُّر التقنية التي قد تسمح لنا باكتشاف أي تغيُّر بسيط في أجسامنا.

المعرفة قوَّةً حقيقيَّةً، لكنَّ استخدامها يجب أن يؤطَّر ضمن معايير لتجنُّب تمارض الناس سعيًا لصحَّة أفضل.