نشر موظفون في شركة جوجل في العام 2016 فيديو يمثل إشارة ملهمة ومقلقة في الوقت ذاته؛ إذ قدم الفيديو الذي نشر تحت عنوان «ذا سيلفش ليجر» فكرة تتمحور حول استخدام مجموعة البيانات الهائلة التي أنتجها الإنسان لتحقيق هدف اجتماعي أكبر.

«ماذا يحدث إن ركزنا على جمع بيانات أكثر بالاعتماد على مصادر معلوماتية أكثر؟ وماذا سيحدث إن لم ننظر إلى أنفسنا كمالكين لهذه المعلومات فقط، بل رعاة لها؟»

بمعنى آخر، تعكس هذه الفكرة تصورًا لمستقبل مجموعة بيانات كاملة يمكن أن توظفها شركة معينة كشركة جوجل لتتمكن من دفع المستخدمين ببراعة لمجاراة الأهداف التي من شأنها أن تحسن حياتهم، كتعزيز الاستدامة البيئية أو تحسين القطاع الصحي، وهي أمور تتوافق أيضًا مع تصور جوجل للعالم عمومًا. ويمكن للشركة أن تنتج أجهزة شخصية تساعد على جمع أكبر قدر ممكن من البيانات بأنواعها المختلفة، لتحصل على صورة أكثر تفصيلًا عن كل مستخدم. وفي النتيجة توجه الشركة سلوك السكان كافة لمواجهة التحديات العالمية كالفقر والمرض.

لا ريب في أن هذه رؤية ملهمة وسامية، فمن لا يتمنى عالمًا دون أوبئة وفقر؟ لكنها في الوقت ذاته تحمل أبعادًا مثيرة للقلق جدًا؛ إذ يتصور الفيديو مستقبلًا يصبح سجل المعلومات هو المسؤول عن اتخاذ القرارات بدلًا من الإنسان.

وتتطلع شركة جوجل كغيرها من الشركات التي تطور تقنية الذكاء الاصطناعي، إلى الحصول على المزيد من المعلومات الخاصة بالمستخدمين، وتحاول باستمرار وبشكل متزايد وحازم أن تحصل على المزيد من المعلومات الشخصية لكل منهم، فتستمر في دفع حدود ما يعتبرونه تجاوزات وخروقات مقبولة لخصوصياتهم. وبدلًا من مجابهة الأمر بردود أفعال سلبية، يبدو أن العديد من المستخدمين يرحبون تمامًا بهذا الغزو، فنحن هيئنا بالفعل لقبول ما تفرضه الشركات على تفاصيل حياتنا؛ كالخطط التي يقترحها برنامج «جوجل مابس» لمسارات رحلاتنا خلال روتيننا اليومي، أو عندما تباشر شركة فيسبوك جمع ألبومات صورنا دون موافقة منا. نحن بدأنا بالفعل باعتبار هذه التدخلات أو الاختراقات أمرًا طبيعيًا ومقبولًا.

يعد الجانب الأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي مسألة متعلقة بالجانب الخطابي، لكن تبدو شركة جوجل والشركات الأخرى غير مبالية بالجانب المظلم المحتمل لمنتجاتها وممارساتها. وهذا جلي من خلال الضغط المستمر الذي تمارسه في سبيل تنفيذ رؤيتها للمستقبل، وهي رؤية قد لا تود الإفصاح عنها للعامة. وتطمح شركة جوجل إلى فهم المستقبل والسيطرة عليه، أي أنها تريد صناعة المستقبل وفهمه والتحكم به بالاستعانة بتقنيتي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة.

حقوق الصورة: أدوب ستوك/ فيكتور تانكرمان

وتظهر ملامح مستقبلنا التقني بشكل سريع يتعذر معه على أي حكومة أو شركة فرض السيطرة عليه، ويعد هذا الأمر جيدًا؛ فمن ناحية أخلاقية، لا يجب أن تصبح هذه التقنية تحت سيطرة كيان واحد، فضلًا عن أن عدم وجود إشراف حقيقي على استخدام الذكاء الاصطناعي يدفعنا للاعتقاد بأن المستقبل الذي يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي سيتمخض عن نتائج إيجابية للإنسانية.

إذن، هل تستحق شركة جوجل الإشادة لمحاولتها احتواء المستقبل والتحكم به؟ أم يجب أن تجابه بالمقاومة والخوف عند كل منعطف مهم؟ وهل يوجد حل وسط لهذه المعضلة؟ لا يعلم أغلب المستهلكين الفرق بين الواقع الذي نسيطر عليه، والواقع الذي نعمل تدريجيًا لفرض السيطرة عليه، وهذا تمامًا ما قد تتمكن الشركات الكبرى -كشركة جوجل- من استغلاله للمباشرة بعمل ما تريد. فهل يجب أن نكتفي بقدر محدد من الاستفادة التي نجنيها من الذكاء الاصطناعي لتأمين مستقبل أفضل لنا، أم يجب أن نكون حذرين ونطور هذه التقنية الحساسة برعاية تامة؟

في الحقيقة لا يوجد جواب موحد لكل هذه الأسئلة، ولا يوجد جواب يمكن أن نحكم بالضرورة بصوابه أو خطئه، لكن كل ما بوسعنا فعله هو أن نطلب من الشركات كافة أن تفكر مليًا وبصورة ناقدة بكل تقدم تقني تحرزه وكيفية تأثيره علينا.

ساعدت الموجة المثالية للإبداع التقني المتمثلة بالنمو الهائل لإمكانات الحوسبة على جعل الذكاء الاصطناعي إحدى أهم القوى المؤثرة في العالم. وتسبب انتشار استخدام أدوات تعتمد على إنترنت مفتوح المصدر، والتضخم الكبير في حجم البيانات، والقدرة على تأجير الفضاء السحابي أو الاستعانة بمصادر خارجية للموارد الحاسوبية، في انخفاض التكاليف المرتبطة بهذا المجال، وإتاحة استخدام تقنيتي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلات لشريحة أكبر من الأشخاص.

تنتج حاليًا كميات كبيرة من البيانات بشكل يومي على مستوى العالم، لكن ما سيحدث فرقًا ملموسًا في تقدم هذا المجال وتطوره هو البيانات التي تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع عمومًا.

بدأ الذكاء الاصطناعي بالخروج عن السيطرة، وستحاول الشركات والحكومات أن تتحكم في الذكاء الاصطناعي في نطاق مجالاتها الخاصة، وهي عملية لن تكون مباشرة وبسيطة. وتستثنى في ذلك قطاعات معينة كقطاع الخدمات المالية التي تلعب فيها تقنية الذكاء الاصطناعي الدور الأهم والأكثر تأثيرًا، إذ إنها أصبحت تحت السيطرة ومنظمة بشكل كبير.

وستستغرق المنظمات والحكومات وقتًا طويلًا للعمل على إيجاد أجوبة على تساؤلاتها التي تنقسم إلى أسئلة مباشرة تتعلق بالتقنية، وأخرى تتمحور حول نوع المجتمعات التي نطمح للعيش فيها والقيم التي نأمل بتبنيها في المستقبل.

لا ريب في أن تقدم تقنية الذكاء الاصطناعي سيسدي لنا معروفًا عظيمًا يعود علينا بالنفع والفائدة. وكل ما نود التأكد منه هو أن مستقبل التطور في مجال الذكاء الاصطناعي سيستمر بطريقة منظمة وبإيجابية تامة، لكن الحقيقة أن السباق لتحقيق سيادة الذكاء الاصطناعي ليس مثاليًا على الإطلاق، وهذا تمامًا ما نشهده في سباق القادة -الصين والولايات المتحدة الأمريكية وشركاتهما التقنية الأهم- في سبيل تحقيق هذا الهدف.