معلومات جينية مستعملة

لدينا معلومات كافية عن كيفية انتقال الصفات الجينية من جيل إلى آخر، ونعلم كيف تنتقل بعض الصفات مثل لون الشعر أو احتمال التعرض لمرض معيَّن من أحد الوالدين إلى الطفل ثمَّ إلى الأجيال اللاحقة. لكنَّ العلماء لاحظوا مؤخَّرًا أنَّنا لا نرث المعلومات الجينية فحسب، بل نرث المعلومات فوق الجينية أيضًا من خلال الذاكرة الخلوية فوق الجينية.

يؤثّر فوق الجينوم على اختيار الجينات لترجمتها ومدى التعبير عنها، فهذه التعديلات على ترجمة الحمض النووي منقوص الأكسجين «الدنا» لا تغيّر تسلسل الدنا ذاته. وخلافًا للجينوم الذي نرثه كما هو منذ ولادتنا، يتغيَّر فوق الجينوم خلال حياتنا تحت تأثير عوامل مختلفة كالبيئة ونمط الحياة والعمر والأمراض.

افترض العلماء سابقًا أنَّ التغيُّرات التي تحدث في فوق الجينوم بسبب العوامل الخارجية لا تنتقل وراثيًّا. لكنَّ الأبحاث الحديثة أظهرت خلاف ذلك، إذ أظهرت أنَّ المعلومات فوق الجينية تنتقل إلى الأجيال اللاحقة بتعديلاتها.

كتب إيجور كوفالتشوك وزوي ميجيكوفسكي في دراسة نشرت في مجلَّة فرونتيرز إن جينتكس في العام 2011 «إنَّ قدرة الثدييات على توريث المعلومات فوق الجينية إلى ذرّيّاتها تقدّم دليلًا واضحًا أنَّ الوراثة ليست محصورة في تسلسل الدنا، وأنَّ المعلومات فوق الجينية تلعب دورًا مهمًّا في التكاثر وإنتاج الذراري.»

فهم جديد

حاول الباحثون فهم آليَّة عمل الذاكرة فوق الجينية، واستطاعوا تحقيق تقدُّم كبير. وأثبت علماء من جامعة كاليفورنيا سانتا كروز في العام 2014 أنَّ الأثر فوق الجيني قابل للتناقل عبر الأجيال، وزعم باحثون  في العام 2016 أنَّهم اقتربوا من حلّ لغز الوراثة فوق الجينية. ونشر فريق من المنظّمة الأوروبية للأحياء الجزيئية في إسبانيا دراسة في مجلَّة ساينس توضّح كيف تنتقل الذاكرة فوق الجينية للتعديلات البيئية عبر 14 جيلًا من ديدان اليراع.

وعلى الرغم من أن قدرة البيئة على التأثير على تطوُّر بعض الجينات لافتةً للانتباه، فإنَّ الأكثر أهميةً هو قدرتنا على الاستفادة من هذه المعرفة في مكافحة الأمراض الوراثية أو المرتبطة بالجينات.

ينتج مرض ألزهايمر من أسباب جينية وبيئية، وقد ينتج السرطان أيضًا من أسباب فوق جينية. وتتوسَّع الوراثة فوق الجينية لتشمل دراسة الأمراض النفسية والمناعية والعقلية أيضًا.

وقد يسهم فهم تأثير البيئة على الصحّة في تحسين صحَّة الأفراد وذرّيّاتهم أيضًا، ما يحمل أثرًا بعيد الأمد على الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض.

إنّنا نعيش في زمن وصلت فيه طرائق التلاعب بالجينات إلى مراحل غير مسبوقة، وذلك بفضل طرائق فحص تسلسل الجينوم الحديثة وأدوات التعديل الجيني مثل كريسبر-كاس9. وإلى جانب المعرفة الجديدة بكيفية توارث الذاكرة فوق الجينية عبر الأجيال، نستطيع تعديل العوامل فوق الجينية التي تؤدّي إلى اضطرابات معيَّنة في أجيال متعددة والوقاية منها.

ستغيّر هذه المعرفة عن الذاكرة فوق الجينية طريقة تعاملنا مع الأمراض الجينية، سواء من خلال التعديل الجيني أو بشكل آخر من العلاج، وستسهم على الأقل في التأثير على قراراتنا الشخصية عندما نعلم أنَّ نمط حياتنا وبيئتنا المحيطة قد تنتقل إلى ذرّيّاتنا بالوراثة.