باختصار
قبل عدة عقود توقع العلماء نظريًا وجود حالة غريبة من حالات المادة اسمها «إكسيتونيوم،» وبفضل التجارب المبتكَرة تمكنوا مؤخرًا من إثبات وجودها.

حالة جديدة

أعلن باحثو جامعة «إلينوي» خبرًا رائعًا: الكَشْف عن حالة جديدة من حالات المادة اسمها «إكسيتونيوم؛» وتنشأ تلك الحالة ، وهو جُسَيْم مُركَّب يجعل المادة تَسلُك سلوكًا كموميًّا مِجهَريًّا غريبًا كسلوك الموائع الفائقة أو المُوصِّلات الفائقة، أو حتى البلُّورات الإلكترونيّة العازِلة.

تعاوَن بيتر أبامونتي -أستاذ فيزياء- وأعضاء فريقه مع زملائهم في جامعة إلينوي وجامعة كاليفورنيا في بِركلي وجامعة أمستردام لإثبات وجود هذه الحالة الغريبة الغامضة بعد أن توقع العلماء نظريًا وجودها منذ ما يربو على 50 عامًا، وشرحوا كيف كشفوا عن الإكسيتونيوم في مجلة ساينس.

الإكسيتونيوم حالة تكاثُف تنشأ من تَكوُّن الإكسيتونات، التي تَنتُج عن ازدواج الإلكترونات التي تَرَكت مستوى طاقتها مع «الفجوات» التي خلَّفتْها؛ ويحدث هذا الازدواج الميكانيكيّ الكموميّ الغريب لأنّ الإلكترونات الموجودة على حافَة أحد مستويات الطاقة في إحدى ذرّات شبه الموصِّل تَستطيع -إذا حُفِزت- الانتقال إلى مستوى الطاقة الأعلى، مُخلِّفةً «فجوة» في مستوى طاقتها الأصليّ، وتُصبح هذه الفجوة بمنزلة جُسيم ذي شِحنة موجبة، فتجذب الإلكترون ذي الشِّحنة السالبة الذي خَلَّفها.

وكي يُثبت الفريق وجود الإكسيتونيوم، درَس بلوراتٍ غير مُشابَة من ؛ ونجح في الحصول على النتيجة ذاتها في خمس تجارب مختلفة.

أسرار ميكانيكا الكم

لم يَكُن بين أيْدي العلماء ما يَلزَمهم من المعدات التي يَسَعها أن تؤكِّد لهم هل ما وجدوه هو الإكسيتونيوم أم حالة مشابهة؛ لكن هذا تَغيَّر مؤخرًا، إذ استَخدم ذلك الفريق البحثيّ تقنية جديدة يَسَعها قياس الإثارات الكُلِّية للجُسيْمات البوزونيّة منخفِضة الطاقة والفجوات والإلكترونات المُزدوَجة، أيًّا يَكُن مقدار زخمها.

وبعبارة أخرى: هذه أول مرة تُرصَد فيها حالة البلازمون الليِّن التي تَسبق تكاثُف الإكسيتون.

قال أبامونتي في بيان صحافيّ «لهذا الاكتشاف أهمية عظيمة، فمنذ أنْ صاغ عالِم الفيزياء النظرية بيرت هالبيرين مصطلح إكسيتونيوم في الستينيّات والعلماء يَبذلون قصارى جهدهم لإثبات وجود تلك الحالة، ويتناقشون في ماهية المادة التي تَكُون في هذه الحالة، أعازِلةٌ هي أم مُوصِّلة فائقة أم مائعة فائقة! وكان لِكُلّ طرف حُجّته المقنِعة؛ ومنذ السبعينيّات أعلن كثير من الباحثين اكتشافهم الدليل على وجود الإكسيتونيوم، لكن لم تكُن نتائجهم أكيدة، وكان يمكن تفسيرها بأنها مرحلة انتقالية بِنيَويّة تقليدية.»

أما بعد إثبات وجود حالة الإكسيتونيوم ورصدها تجريبيًّا، صار بوُسع العلماء أن يتعمقوا في استكشاف خصائصها وتطبيقاتها، إذ لا ريب في إمكانية استغلالها لتعزيز التقنيات الحاليّة كما هو حال الموصِّلات الفائقة والموائع الفائقة.

ونظرًا إلى أنّ تحليل الظواهر الكمومية هو ما يساعدنا على فَهْم ميكانيكا الكم، فلا ريب إذن في أنّ هذا البحث سيساعد العلماء على حلّ الألغاز الكمومية الحاليّة؛ وعلى الرغم من أنّ هذه التطبيقات -وخصوصًا التطبيقات العَمَليّة- ما زالت في حيّز التنظير والتخيُّل حتى الآن، وعلى الرغم من استحالة أن يتنبّأ أحد بمستقبل الإكسيتونيوم، صار معلومًا عِلْم اليقين أنَّ نطاق إمكانياتها وتطبيقاتها اتسع اتساعًا لم يَسبق له مثيل.