باختصار
اقترح فريق بحثيّ من كُليَّة لندن الجامعية إجراء تجرِبة جديدة يُحتمَل أن تُغير فَهْمنا لطبيعة الجاذبية وتُقرب العلماء من ضَمّ الجاذبية إلى ميكانيكا الكمّ في نظرية فيزيائية موحَّدة.

نظرية موحَّدة

مَرّت عقود والعلماء يكدحون لِضَمّ الجاذبية (أول ما اكتُشف من القُوَى الكوزمولوجيّة) إلى الفيزياء الكمومية، لكن بلا جدوى؛ إلا أن فريقًا بحثيًّا اقترح مؤخرًا إجراء تجرِبة جديدة يُحتمَل أن تُغير فَهْمنا لطبيعة الجاذبية وقُوَى الكون الأساسية.

إنّ ميكانيكا الكمّ عبارة عن نظرية مَعنيّة بالجسيمات الأوّلية والقوى التي تَخضع لها، باستثناء الجاذبية الثقالية؛ ومن أجل فَهْم ما يَحدث داخل الثقوب السوداء أو ما حدث في الانفجار العظيم، يجب الجمع بين نظريتَيْ ميكانيكا الكمّ والجاذبية؛ لكنّ المشكلة تَكمُن في انهيار النظريتَيْن كلما حاول أحد الجمع بينهما.

فإن كانت الجاذبية قوة ميكانيكية كمومية لكنها متخفية، فحينئذ يُمكن للتشابك الكموميّ الذي نلاحظه بين الفوتونات أن ينطبق على الكُتَل المادية المتجاذبة؛ وبعبارة أخرى، إن سَقط جسمان (يفترض أنهما متشابكان كموميًا ومتماثلان في كل شيء، باستثناء موضعهما الأفقيّ) سقوطًا حُرًّا، فإن قياس خصائص أي منهما سيؤدي حكمًا إلى التأثير فورًا في الجسم الآخر؛ وبناء على هذه الفرضية اقترح الأستاذ سوجاتو بوز وزملاؤه في كُليَّة لندن الجامعية تجربةً لاختبارها.

مسارات متشعِّبة

تخيَّلْ جُسيمًا متعادل الشِّحنة، وزنه 10-14 كجم، وفيه مادة ذات لَفٌّ مغزليّ يتجه إما إلى الأعلى وإما إلى الأسفل؛ فإذا أَسقطْتَ هذا الجسيم في مجال مغناطيسيّ متغير باستمرار، فإنّ المسار الذي سيَسلكه الجسيم سيتغير وفقًا لاتجاه لفه المغزليّ الداخليّ، وسيبدو الجسيم كأنه صادَف مفترَقًا في طريقه المغناطيسيّ، فيَسلك المسارَ الأيسر إن كان لَفّه المغزليّ متجهًا إلى الأعلى، والمسار الأيمن إن كان لَفّه المغزلي متجهًا إلى الأسفل.

ويَكُون الجسيم أثناء سقوطه في حالة تراكُب -أو موجود في كِلا المسارَيْن (مثل قطة شرودنجر، وهي تجرِبة فِكرِية معروفة تُبسِّط «مبدأ التراكُب»)، فهذا الجسيم –نظريًّا- يُحتمل من لحظة سقوطه أن يَسلُك أيًّا من المسارَيْن (لِنَفهم هذا علينا أن نَتخطى بتفكيرنا حدود الزمن الخَطِّيّ)؛ فإذا جَمعتَ بين كل المسارات الممكنة، فستجد أمامك الحالةً التي تسلُك فيها الجُسيمات أقرب المسارات.

يجب ألّا تقلّ المسافة بين المسارَيْن عن 200 مايكرومتر، لتجنُّب التفاعلات التي يُمكن أن تَطغى على الجاذبية؛ ومن المفترض أن تُبيّن لنا هذه التجربة هل ستَكُون عناصر لَفَّيْهما المغزليَّيْن متشابكةً حين يرتدّا إلى حالتهما الطبيعيّة أم لا، وهذا بافتراض أنّ التجربة ستَستبعد القُوَى المتداخلة الأخرى، كقوة كازيمير والتفاعلات الكهرومغناطيسية.

ومع ذلك نوّه بوز بأنّ عدم رَصْد التشابك لا يُثبِت أنّ نظرية الجاذبية كاملة كلاسيكية، إلا إذا أثبتت التجربة بما لا يدع مجالًا للشك عدم تداخُل أيّ تفاعلات أخرى مع البيئة المحيطة، كالاصطدام بالفوتونات أو الجزيئات الشاردة.

كوْن كموميّ؟

وافَقهم على هذه الفكرة أنطوان تِيلوَي، الباحث بمعهد ماكس بلانك للبصريّات الكمومية، لكن نوّه بأن نتيجة الاختبار إن كانت إيجابية فلن تُبطِل من نظريات الجاذبية الكلاسيكية إلا جزءًا مُعيَّنًا، ومع ذلك قال لمجلة نيو ساينتست «لكنّ هذا الجزء ضخم جدًّا، وأرى أن النتيجة ستكون مذهلة.»

أما مانيلي ديريخشاني -أستاذ جامعة أوتريخت في هولندا- فذكَر في المقال ذاته أنّ النتيجة إن كانت سلبية فستُثبت أنّ الجاذبية ليس لها جذور كمومية، وقال «هذا سيثير أسئلة صعبة -لكن شائقة- حول الكيفية التي تَتحوّل بها الجاذبية من كلاسيكية إلى كمومية والعكس، وحول توقيت حدوث ذلك.» فالنتيجة السلبية إذَن ستكون الأكثر عجبًا.

يواصل العلماء حاليًّا تطوير الوسائل التقنية التي ستُوفر لهم مزيدًا من الأدلة العِلْمية، وهذا يُقربهم من الأجوبة الحاسمة لهذه الأسئلة القديمة، ويَجعل هذا الزمان زمانًا مميَّزًا ومثيرًا لحماسة من يسعون جاهدِين إلى وضْع نظرية فزيائية موحَّدة.