باختصار
يدرس باحثون وسائل لإعادة ترتيب الاتصالات العصبية في الدماغ لمعالجة الألم المزمن، ولا ريب أن فهم طريقة عمل الدماغ مفتاح مهم لتطوير علاجات جديدة لحالات الألم هذه.

إدراك الألم

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أزمة إدمان مستشرية، ويسعى العلماء إلى اكتشاف حلول لعلاج الألم دون الاعتماد على أدوية تسبّب الإدمان وتؤدّي إلى أعراض جانبية خطيرة. ويلجأ بعض الباحثين حاليًّا إلى التفكير بوسائل تتعامل مباشرةً مع الدماغ والاتصالات العصبية فيه. قد تساعد هذه الفكرة تحديدًا أكثر من 25 مليون شخص حول العالم يعاني من الألم المزمن.

يتمتَّع الدماغ بالقدرة على التأقلم مع الألم. ويأمل العلماء أن يستفيدوا من هذه القدرة في التحكُّم بإدراك الألم عند الذين يعانون منه. وقال ديفد ليندن أستاذ العلوم العصبية في جامعة جونز هوبكنز في محادثة أجراها مع محطة الإذاعة الوطنية العامة «يستطيع الدماغ أن يقول عند شعوره بالألم: إنَّ هذا شيء مهم، لنصغي إليه جيّدا نعيره اهتمامًا أكبر. أو قد يقول: لا أريد أن ألتفت لهذا الألم، فلنخفض صوته ونتجاهله.»

نستطيع فعلًا أن نرى هذا المشهد في الحالات الحرجة والصدمات، كما يحدث مع الجنود في ساحة المعركة حين لا يشعرون بإصاباتهم، أو كما يحدث مع الذي يتحرَّر لديهم الأدرينالين بمستويات عالية في بعض المواقف فينسون الألم الذي يعانون منه.

حقوق الصورة: إن آي سي إتش دي/فليكر
حقوق الصورة: إن آي سي إتش دي/فليكر

عند محاولة دراسة آليَّة ما يحصل بالضبط، وجد الباحثون من جامعة براون أنَّ بعض الناس يتبعون آليَّةً سلوكيَّةً لتجاهل الشعور بالألم. وقالت ستيفاني جونز أستاذة العلوم العصبية المساعدة في جامعة براونز «يوجد تنسيق بين الجزء الأمامي من الدماغ [حيث توجد منطقة التحكُّم بالوظائف التنفيذية،] والجزء الحسّي في الدماغ الذي يستقبل المعلومات الحسية من المحيط وينتقي المهم منها.»

وجدت ستيفاني جونز أنَّ تعليم الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن فنون التأمُّل وطقوسه قد يتيح لهم القدرة على التلاعب بشعورهم بالألم وتغيير طريقة إدراك الدماغ له.

فوائد إعادة برمجة الاتصالات العصبية

يدرس الباحثون أمراضًا أخرى قد تستفيد من هذه الأساليب العلاجية التي يطوّرونها. وقد تسهم هذه الأساليب في تعقُّب الإشارات في الدارات العصبية، ما يسهّل تطبيق هذه الأساليب على أمراض أخرى.

يُعدُّ معهد سيمل لعلوم الأعصاب والسلوك البشري في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أحد المراكز الطبية القليلة التي تعتمد على التحفيز المغناطيسي عبر القحفي كعلاج للاكتئاب. ووافقت منظَّمة الدواء والغذاء الأمريكية على استخدام النبضات المغناطيسية كعلاج من خلال استهداف تراكيب عميقة في الدماغ بهذه النبضات.

وقال الدكتور إيان كوك مدير برنامج أبحاث الاكتئاب وعياداته  في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس «إنَّنا نغيّر آليَّة ترتيب الدارات العصبية في الدماغ، وكيف تتَّصل ببعضها. إنَّ الدماغ عضو مدهش ومحيّر. في كلّ مرة يتعلَّم فيها الشخص شيئًا جديدًا، يحدث فيها تغيير مادّي قابل للرصد في تركيب الدماغ.» تلعب المشاعر دورًا مهمًّا في إدراك الألم، لذا فإنَّ علاجات تحاكي هذا الأسلوب قد تسهم في المستقبل فتدبير حالات الألم من غير أدوية.

لا بدَّ أنّ فهم آليَّة عمل الدماغ ستقود إلى ابتكارات ثورية، وتستهم القدرة على إعادة برمجة الإحساس بالألم في فوائد مهمة للمجتمع. إنَّ مستقبل علوم الدماغ تحمل إمكانيَّات مشوقة، إذ لا توجد حدود لهذه العلوم الشائقة.