لا يخفي نيل ديجراس تايسون موقفه من نظرة البعض إلى العلم وكأنه نوع من الإيمان، إذ يرى تايسون أن العلم شيء موضوعي يقاس بالتجربة، وليس أمرًا اعتقاديًا تؤمن به أو لا تؤمن، بل هو حقائق ونظريات لا تخضع للقبول والرفض إيمانيًا، وإنما تدحض أو تطور وتصحّ أو تُخطَّأ بناء على معايير العلم الحديث، بغض النظر عن معتقداتك الشخصية.

أجرى فريق مرصد المستقبل لقاءً مع تايسون خلال اليوم المفتوح في القمة العالمية للحكومات -التي تعقد حاليًا في مدينة دبي-  وسأله عن الوضع الحالي لعالمنا، وسبب رفض بعض الدول الحقائق العلمية، وما هي العواقب الوخيمة التي تنتظرنا إن استمرت هذه الدول في رفض ما يكشفه العلم من حقائق علمية.

أجاب تايسون عن رأيه عن جهود الحكومات في جميع أنحاء العالم في المجال العلمي، وإذا كانت هذه الحكومات تفيد بمواطنيها وتوفر لهم تعليمًا علميًا سليمًا فقال «للأسف، الوضع ليس متكافئًا، إذ ترى بوضوح التفاوت بين المبالغ المخصصة للاستثمار في العلوم والتقنيات وبين الموارد المالية المتوفرة لهذه الدول، فنجد بعض الدول تظن أن تمويل الأبحاث العلمية مجرد شيء من الكماليات، لأنها لا تعرف بوضوح مقدار الفائدة التي ستجنيها من تلك هذه الأبحاث.» وأشار تايسون إلى أن ما نحتاجه حقيقة هو العلم من أجل العلم، وهذا ما يجعل التقدم العلمي ممكنًا، إذ حقق البشر في كثير من الأحيان تقدمًا علميًا بارزًا نتيجة صدفة عشوائية لم تكن بالحسبان.

وهذا صحيح، فالليزر والكهرباء والأشعة السينية اكتشافات علمية نعرفها من أشخاص لا يعلمون تمامًا ما يبحثون عنه، ولم يظهر هذا النوع من البحث العلمي الموجه إلا بعد فترة طويلة جدًا. وأكد تايسون على أهمية إنفاق الدول على العلوم بكثافة دائمًا وأبدًا، فهي استثمارات طويلة الأمد تؤتي أوكلها دائمًا ولو بعد حين.

«لا يمكن أن تهتم بالاقتصاد ولا تأخذ -في الوقت ذاته- الاستثمارات في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات على محمل الجد.»

 

قال تايسون «نعلم تمامًا أن الاستثمارات في العلوم والتقنية تمثل محركات اقتصاد المستقبل، فلا يمكن أن تهتم بالاقتصاد ولا تأخذ في الوقت ذاته الاستثمارات في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات على محمل الجد.»

تحول الحديث بعد ذلك إلى الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثير المناخ الاجتماعي السياسي الحالي الواضح على الموارد المتوفرة للعلماء في لتحقيق تقدم في أبحاثهم.

قال تايسون «إحدى المشكلات التي نواجهها في الولايات المتحدة الأمريكية أن الجزء الأكبر في حكومتنا يعاد انتخابه كل عامين، فإذا تقلد المناصب الحكومية أشخاص لا يعرفون قيمة العلم أو لا يحترمونه ، فإننا سنضطر إلى إلغاء مشاريع تحتاج إلى عشرة أعوام أو عشرين عامًا حتى تؤتي ثمارها.» ويرى تايسون أن الوضع الحالي لا يشكل بيئة مثالية للعلوم، واقترح تخصيص ميزانية للبحث والتطوير لا تخضع لأهواء كل سياسي جديد.

أما في موضوع كيفية تغلب الدول على عقبة اختلاف المعتقدات الشخصية أو الثقافية مع العلم، مثلما يحدث عند مناقشة تعديل الجينات والتطور وغيرها، فعبر تايسون عن موقفه بشدة وقال «إذا منعك معتقدك من قبول الواقع الموضوعي، فإنك ستواجه عقبة تمنع تقدمك، وإذا سمحت لمعتقدك أن يتدخل في الحكم على الحقائق العلمية، ولم تنقدها من وجهة نظر علمية بحتة فإنك ستواجه العديد من المشكلات.»

والواقع أن هذه ليست ظاهرة جديدة فالمعتقدات تكيفت في الماضي مع الحقائق العلمية، ونقرأ في كتب التاريخ كيف كانت ساد رأي «علمي» بناء على تصورات دينية أن الأرض هي مركز الكون ، وعلى الرغم من أن البعض ما زالوا يتمسكون بهذه الأفكار حتى اليوم، إلا أن معظم الناس ومهما كانت ثقافاتهم يتقبلون الواقع كما هو.

يبدو في بعض الأحيان أن المعتقدات –التي تبدو أنها تناقض أو تنكر حقيقة علمية- تعد ركائز لا يمكن تغيرها وتقف عائقًا أمام التقدم العلمي، إلا أن تقدمًا كبيرًا يتحقق في جميع أنحاء العالم في دول ترغب في تحقيق إنجازات علمية، إذ بدأت الهند واسكتلندا في تجربة فكرة الدخل الأساسي الشامل، واتخذت السويد خطوات جادة نحو التخلص من انبعاثات الكربون على الرغم من اعتقاد البعض أن فكرة التغير المناخي مجرد «أخبار كاذبة،» بالإضافة إلى إحراز تقدم كبير في الخلايا الجذعية الجينية على الرغم من كونها قضية خلافية.

أكد تايسون بأن البشرية قادرة على تغيير مفاهيمها، إذ يذخر التاريخ بأدلة تؤكد ذلك، وما نحتاجه في العصر الحديث هو تذكير أنفسنا بأن «معتقداتنا يمكن أن تتكيف مع الحقائق العلمية وتطور معرفتنا المستمر وليس العكس، ويحتاج الأمر في بعض الأحيان إلى مجرد الانتظار.»

ضحك تايسون عندما سألناه إن كان يأمل في قدرة الحكومة الأمريكية أو رغبتها في تغيير طريقة تعاطيها مع مسألة العلم، وقال «أنا محايد، وأرى بعض النجاحات والنكسات، وأعتقد أنه يوجد ما يكفي من الدول التي تعترف بأهمية العلم والتي ستكون في المستقبل مثالًا ساطعًا للدول الأخرى التي ما زالت تناقش ذلك، وهذا ما أراه نقطة إيجابية.»