باختصار
يحاول مجموعة من الباحثين محاكاة بحار الغاز الطبيعي السائل لأكبر أقمار زحل، لمساعدة وكالة ناسا في تصميم غواصة يمكنها التكيف في أكثر البيئات قساوة.

عند طرح موضوع احتمال وجود الحياة في مجموعتنا الشمسية، فإن كوكب المريخ هو أول ما يتوارد إلى الأذهان، دون أن يلقي أحد بالًا للكواكب الأخرى كنيبتون وزحل، فضلًا عن أقمار الكواكب الأخرى التي نادرًا ما تحظى بأي اهتمام.

لكن تيتان القمر الذي يدور في مدار زحل حالة استثنائية؛ فهو غني بالبحار والبحيرات ويعد المكان الوحيد في المجموعة الشمسية الذي اكتشف على سطحه سوائل، ومن المعلوم أنه غالبًا ما توجد الحياة حيث تتوفر المياه، وهي الحقيقة التي دفعت وكالة ناسا للاعتقاد بأنه مكان مناسب للبحث عن حياة خارج نطاق كوكب الأرض.

على الرغم من أن هذه المعطيات تبدو واعدة، إلا أن بعض عناصر الكوكب المشكّلة له لا تناسبنا، إذ تحتوي الأنهار والبحيرات على سطح تيتان خليطًا مميتًا من غازي الميثان والإيثان، وهي بيئة لا نريد حكمًا الغوص بها، أو على الأقل ليس دون التزود بالمعدات اللازمة. وتنوي وكالة ناسا دراسة فكرة إرسال مركبة فضائية لتقطع مسافة 1.4 مليار كيلومتر إلى قمر تيتان في العام 2025، لذا فهي تحتاج إلى غواصة خاصة لتبحر في بحاره القاتلة.

ويساعد باحثون من جامعة ولاية واشنطن وكالة ناسا على تقصي مياه مجهولة لم تكتشف ماهيتها بعد. وأعلن الفريق عن نيته تنفيذ مشروع محاكاة بحار تايتن الهيدروكربونية في مختبر مغلق هنا على الأرض. وسيحتوي هذا المختبر الذي سيكون في غاية البرودة على أمطار الميثان والإيثان وثلوجهما، وسيتابع الباحثون المراقبة عبر كاميرا صغيرة. وتعقد الآمال على التوصل إلى معلومات قيمة تثري الباحثين لإنجاز مهمتهم الأخرى؛ تصميم غواصة آلية ذاتية القيادة يمكنها الغوص في السطح السائل لقمر تيتان.

لكن تطوير غواصة قادرة على الصمود في مواجهة بيئة تيتان القاسية مهمة سهلة، وعلى الباحثين تجاوز عقبات وتحديات عدة قبل تحقيق هذا الهدف، وهذا شرح موجز لأهم هذه العقبات:

البرد القارس

يتدفق الماء المشبع بالميثان بدرجة حرارة تقدر بنحو -197 مئوية، وفي مقابل تشكل تضاريس الأنهار على سطح الأرض بفعل حركة الصخور والحمم، يعد الماء المشبع بالميثان العامل الرئيس في تغيير شكل تضاريس تيتان فضلًا عن بحيرات بأكملها مملوءة بالغاز الطبيعي السائل.

لكن فريق جامعة ولاية واشنطن أكد على وجود جانب إيجابي تعقد عليه الآمال؛ موضحًا أن البحيرات تتجمد عند درجة حرارة -198 لاحتوائها على نسبة نيتروجين قليلة، وهي درجة حرارة أقل من المسجلة للمياه السطحية. وقال «إيان ريكاردسون،» الخريج السابق من كلية هندسة الميكانيك والمواد في جامعة ولاية واشنطن في مؤتمر صحافي، «هذا اكتشاف مهم للغاية، فلا داعي للقلق من القمم الجليدية العائمة.» ما يعني أن حادثة التايتانيك لن تتكرر على قمر تيتان.

حرارة محرك الغواصة

وضع فريق جامعة ولاية واشنطن مولد حرارة بحجم خمسة سنتيمترات في مختبر محاكاة بحار تيتان لاكتشاف تأثيرات الحرارة الناتجة منه على المحيط السائل. إذ ستتشكل فقاعات النيتروجين عند ارتفاع حرارته ما سيؤثر على مسار الغواصة مسببًا غرقها أو طوفانها. لذا على العلماء تطوير نظام موازنة ذو رد فعل سريع للحفاظ على استقرار الغواصة.

توثيق الحدث

هل حدث معك سابقًا أن ذهبت إلى منحدرات التزلج وبطارية هاتفك مشحونة بالكامل لتصبح خالية بشكل مفاجئ؟ لك أن تتخيل الآن محاولة تشغيل الكاميرا في درجة حرارة -179 مئوية. ومع ذلك تمكن الباحثون أثناء تجربة المحاكاة من تصوير الأمطار والثلوج المكونة من الإيثان والميثان معتمدين على منظار دقيق وكاميرا يمكنها مقاومة أشد الظروف الحرارية. لكن يبقى تكرار هذه التجربة ونجاحها على قمر تيتان غير مضمون البتة.

ما زال أمام الفريق تحديات كثيرة لتخطيها؛ إذ سيكون من شبه المستحيل الاتصال بالغواصة حين تغوص تحت السطح، علاوة على عدم وجود أي ضمان على الاستمرار بنجاح في تعقب المركبة دون فقدان أثرها. ناهيك عن أن اختراق المركبة للمجال الجوي لقمر تيتان دون أن تتحطم الغواصة بالكامل إنجاز عظيم بحد ذاته.

وسنبقى على أمل اكتشاف أي شكل من أشكال الحياة على سطح قمر تيتان حتى ذلك الحين.