الزُّهَرة كوكب لا يناسب البشر، إذ تغطيه سُحب كثيفة سميكة مكونة من حمض الكبريتيك، تبلغ درجة الحرارة أسفلها نحو 500 درجة مئوية، والضغط على سطحه المليء بالفوهات البركانية أكبر من الضغط عند سطح الأرض بنحو 100 ضعف، وهذا بسبب طبيعة غلافه الجوي.

لكن في عقول علماء وكالة ناسا أسئلة كثيرة لن يُجاب عنها إلا باستكشاف الكوكب، ولهذا أعلن فريق منهم مؤخرًا مشروع «هافُك» (HAVOC)، وهذا الاسم اختصار للكلمات «مفهوم الزهرة العملياتي عالي الارتفاع،» وفي الإعلان تفاصيل عن كيف يمكن إجراء بعثة زهرية بشرية مدتها 30 يومًا.

صحيح أن هذه العملية تصوُّريَّة تمامًا -لم يُبتكر بعد معظم التقنيات اللازمة لتحقيقها-، لكنها تمثل أول خطة جادة لبحث كيفية استكشاف أقرب كوكب إلينا.

خرج هذا الإعلان تزامنًا مع الأخبار التي تفيد أن أهداف ناسا لا تُوافق ما يريده الشعب الأمريكي من الوكالة (ألغى البيت الأبيض الأبحاث المناخية من أجل إجراء مزيد من البعثات القمرية، والناس يريدون العكس)، ومع هذا لم يعترض أحد على ذلك الاقتراح، لأنه تصوُّر مبتكَر لا يمكن إنكار روعته.

لدراسة الزهرة والبحث عن أي علامات تشير إلى أن الكوكب كان مناخه أنسب للحياة من قبل أو أنه كان يحتوي على مياه، تصوَّر مهندسو ناسا استخدام مستعمرة بحثية حوَّامة عملاقة، تحوم على ارتفاع 50 كم تقريبًا من السُّحُب الحمضية، في منطقة من الغلاف الجوي تظل درجة حرارتها منخفضة نسبيًّا.

المخاطرة في هذه الخطة عالية جدًّا، عالية إلى درجة تجعلها كسيناريوهات الأفلام؛ فبعد وصول المركبتَيْن إلى مدار الكوكب [مركبة للطاقم، ومركبة للمحطة البحثية المطوية المفرَّغة من الهواء]، ستلتقيان وتتصلان، فينتقل الطاقم من مركبتهم إلى المركبة الأخرى التي تتضمن المحطة والمعدات، ثم تهبط المركبة نحو سطح الكوكب، وتَخرج منها المحطة وتفتح مظلة لتخفيف سرعتها، ثم تنبسط وتنتفخ بواسطة خزانات هيليوم، وسيكون المأمول بعدئذ أن تستقر لدى ارتفاع مناسب غير قاتل.

وبعد شهر من البحث لدى هذا الموقع الاستراتيجي فوق السحب، ستنفصل الكبسولة المكوكية التي تضم الطاقم عن المحطة البحثية الحوامة، فترتد إلى المدار وتلتقي المركبة الأولى التي تدور فيه وتتصل بها مجدَّدًا لينتقل إليها الطاقم فتعود بهم إلى الأرض؛ وكل هذا سيستغرق مدة أقل من المدة التي تستغرقها بعثة بشرية إلى المريخ، لأن الزهرة أقرب إلى الأرض منه.

إن بدا لك الطُّموح في هذه الخطة عاليًا جدًّا، فاعلم أنك لست الوحيد؛ ومع أن التقنيات اللازمة لمثل هذه المهمة لم تطورها ناسا بعد، ترى الوكالة أن التقنيات الموجودة حاليًّا تكفي لإجراء بعثة روبوتية شبيهة لكن أصغر، بعثة يمكن بها بدء استكشاف الزهرة بحثًا عن أدلة على أنه كان صالحًا ذات يوم للحياة.