باختصار
  • تمكن باحثون من تقليل الخطأ في التوقعات بنسبة 21.3% مقارنة مع عملية التصويت البسيطة، باستخدام تقنية عقلٍ جمعيٍّ تسمى خوارزمية «الشعبية غير المتوقعة.»
  • تساعد هذه التقنية في زيادة قدرات العقل الجمعي، بهدف الحصول على توقعات أكثر دقة في مجالات عدّة، ابتداءً من السياسة وصولاً إلى الاقتصاد.

استخلاص قوة التفكير الجماعي

يُعد استخلاص حكمة العقل الجمعي - أي الرأي الجماعي لمجموعة بدلاً من رأي خبير واحد - وسيلة مهمة لكسب المعرفة، لكن الاعتماد ببساطة على مجموعة ليس وسيلة مضمونة بالضرورة للوصول إلى الإجابة الصحيحة. ولهذا، قرر علماء من مختبر سلون للاقتصاديات العصبونية التابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة برينستون أن يبحثوا عن طريقة أفضل لاستخلاص الإمكانات غير المحدودة للعقل الجمعي.

نُشر هذا البحث في مجلة نيتشر، وتمكن العلماء فيه من تطوير تقنية أطلقوا عليها اسم خوارزمية «الشعبية غير المتوقعة.» وهي تحدد الإجابة الصحيحة بصورة أكثر دقة اعتماداً على مجموعات كبيرة من الأشخاص، وذلك بفضل طريقة بسيطة نسبياً، إذ يوجّه سؤال إلى الأشخاص، وعليهم تقديم إجابتين. الأولى هي الإجابة التي يعتقدون أنها صحيحة، والثانية هي الإجابة التي يعتقدون أنها الأكثر انتشاراً وشعبية. ويشير الفرق الإجمالي بين الإجابتين للجمهور إلى الإجابة الصحيحة.

فمثلاً اختبر الباحثون خوارزميتهم بتوجيه سؤال بسيط إلى المجموعة، جوابه «نعم» أو «لا»: «هل فيلاديلفيا هي عاصمة بنسلفانيا؟» وطلبوا من المشاركين أن يتوقعوا كم شخصاً آخر في المجموعة سيجيب بنعم. وجد الباحثون أن من أجابوا بصورة خاطئة «بنعم» توقعوا أن الأكثرية ستتفق معهم وتجيب «بنعم» أيضاً. أما الذين كانوا يعرفون أن هاريسبرج هي العاصمة الفعلية فقد ساورهم الشك بأن الأغلبية ستجيب «بنعم» الخاطئة أيضاً.

وهكذا، فإن نسبتي من أجابوا «بنعم» على السؤال الأول ومن أجابوا «بنعم» على السؤال الثاني ليستا متساويتين. وعلى الرغم من أن الأغلبية توقعت أن الآخرين سيجيبون  «بنعم» على سؤال التوقع، فإن نسبة صغيرة أجابت على السؤال الأول «بنعم» الخاطئة. وبمعاكسة التوقع، فإن الإجابة «لا» أثبتت أنها الإجابة ذات «الشعبية غير المتوقعة» التي تشير أيضاً إلى الإجابة الصحيحة: «لا، فيلاديلفيا ليست عاصمة بنسلفانيا.»

باستخدام هذه الخوارزمية، أجرى الباحثون استبيانات على المجموعة بشأن مواضيع تتراوح بين عواصم الولايات الأمريكية والتشخيص الطبي. وتبيّن لهم أن تقنيتهم قلّلت من الأخطاء بنسبة 21.3% مقارنة مع عملية التصويت البسيطة، و24.2% مقارنة مع التصويت المثقّل بالثقة، و22.2% مقارنة مع نمط آخر من التصويت المثقّل بالثقة، وفي المحصلة، أعطت هذه الطريقة أعلى معدل من الإجابات الصحيحة.

مستقبل مبدأ «الشعبية غير المتوقعة»

خلافاً للدراسات النموذجية للعقل الجمعي، تعطي هذه الدراسة المزيد من الأهمية للمعرفة الاختصاصية لمجموعة جزئية معينة ضمن المجموعة الأكبر. ولا تعتمد على رأي الأغلبية المطلقة. يقول دريزن بريليك، المؤلف المشارك في الدراسة والبروفسور في مدرسة سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساتشوستس للتقنية في بيان صحافي: «يقول هذا البحث تقريبياً، إن الناس الذين يتوقعون أنهم سيكونون من الأقلية؛ يستحقون بعض الاهتمام الإضافي». وتعني كلمة الأقلية هنا: الأشخاص الذين يعرفون الجواب الصحيح، ولكنهم يعتقدون أن الآخرين لن يعرفوه.

المؤسف أن هذه التقنية ليست مضمونة تماماً بعد. فقد يتوقع الأشخاص ما هي الإجابة ذات «الشعبية غير المتوقعة» ويحاولون تجنبها. غير أن ذلك لن يكون سهلاً، وتكمن الفائدة من العقل الجمعي في أن حالةً شاذةً واحدةً لن تضلّل الدراسة بأكملها. ويأمل العلماء في المستقبل أن يستخدموا هذه الطريقة في عدد من الأوضاع المختلفة، مثل التنبؤات السياسية، والتوقعات الاقتصادية، وتحديد أسعار الأعمال الفنية، أو تقييم عروض الأبحاث. وربما قريباً، قد يصبح العقل الجمعي وسيلتنا الأساسية لحساب التوقعات، والاستعداد لما يخبئه المستقبل لنا.