باختصار
الذكريات هي أغلى ما نملك، هي سجل وجودنا في هذه الحياة، ولكن قد نرغب أحياناً في التخلص من بعض الذكريات الأليمة، هل يمكن الوصول لذلك؟ ربما قريباً، أو هكذا يقول العلماء.
يقول الروائي جابريل جارسيا ماركيز " أكثر ما يهم في هذه الحياة ليس ما يحصل معك، بل الأهم هو ما تتذكره، والطريقة التي تتذكره بها."

الذكريات، أغلى ما نملك، أعز أصدقائنا وأحياناً هي العكس تماماً، فليست كلّ ذكرياتنا ورديّة اللون، وربما نملك كثير من الذكريات المُحرجة أو المؤلمة والتي نريد أن نمحيها تماماً من دماغنا.
ولكن هل نستطيع أن نفعل ذلك فعلاً؟

الرجل الذي لا يتذكر

حصان البحر والحصين. المصدر: ويكيبديا
حصان البحر والحصين.
المصدر: ويكيبديا

حرفان يعرفهما طلاب علم النفس، والعلوم العصبية بشكل كبير "HM"، قد لا يعني هذان الحرفان شيئاً، لكنهما ذُكرا في 12,000 دراسة ومجلةٍ علميّة، وشارك صاحبهما بالكثير من التجارب العلمية بسبب الحالة الفريدة التي أُصيب بها، نتحدث طبعاً عن هنري مولايسون.

كان هنري مُصاباً بالصرع، واشتد المرض عليه حتى لجأ إلى الجراح العصبي، د. ويليم سكوفيل، الذي قام باستئصال منطقةٍ من دماغ هنري، منطقة تشبه حصان البحر، والتي تُسمى "الحصين"، معتقداً أنّه سيعالج هذه النوبات الصرعية التي يعاني منها هنري.

اختفت نوبات الصرع، ولكن اختفت معها أشياء أخرى، فبعد العملية بدأ هنري بفقدان قدرته على حفظ أي شيء يحصل أمامه، أي فقد قدرته على التذكر، لكنه لم يكن "غبياً"، بل إن قدراته وذكاءه لم يتغيرا فعلاً بعد العملية الغريبة، ولم تتغير شخصيته، التغيير الوحيد كان في قدرته على تذكر ما يحصل أمامه.

المشكلة الأخرى هي أنّ مولايسون فقد كل الذكريات عن إحدى عشرة سنةً سبقت العملية، ونحن لا نعرف لماذا حدث ذلك حقاً.

هنري قدم الكثير للعلم من خلال اشتراكه بتجارب عديدة، ورغم خسارته الأليمة، فإنّ البشرية تقدر HM وتعترف بذكره حتى اليوم.

لكن نحن لا نريد أن نحذف "عملية التذكر" بشكل كامل، بل ما نريده فعلاً حذف بعض الذكريات التي قد تسبب ما يُعرف باضطراب الكرب ما بعد الصدمة PTSD، هل هناك حل؟

تحسين الذكريات

هناك كثير من الأدوات التي تحسن قدرتنا على التذكر، التأمل على سبيل المثال، ويمكنكم مشاهدة حلقة لحظة الكاملة عن الموضوع هنا، والرياضات التي تفعل حواسنا المختلفة كالتسلق والعدو، أمّا إحدى أهم مقويات الذاكرة هي "التواصل الاجتماعي". فحسب دراسة استمرت ست سنوات من هارفارد، تبيّن أنّ المسنين الذين يتمتعون بمعدلات عالية من التواصل الاجتماعي هم أقل تأثراً بسطوة التقدم في العمر على الدماغ البشري.

وفي دراسة أخرى من قسم علم النفس ومركز العلوم الدماغية في هارفارد نجد حلاً آخر لفقدان الذكريات، ألا وهي إعادة زيارة الذكريات بشكلٍ منتظم، فبإعادة تذكر حدثٍ معيّن، يقوم الدماغ بتفعيل الخلايا المسؤولة عن حفظ هذه الذاكرة بشكلٍ انتقائي. يمكن لذلك أن يحصل عن طريق رؤية صورٍ معيّنة لهذه الذكريات أو سماع قصةٍ تذكرك بتلك اللحظة نفسها.

الضوء هو الحل

للأسف لا يوجد لدينا حتى الآن جهاز مشابه لذلك الموجود في أفلام Men In Black، بضغطة زر واحدة يستطيع المستخدم محيّ الذكريات السيئة بواسطة الضوء والعودة إلى الحياة بشكل طبيعي، لكن ماذا عن الفئران؟ كالعادة تبدأ تجاربنا على تلك المخلوقات الصغيرة، ولكن كيف نجعلها تتذكر شيئاً كي تنساه؟
قام العلماء بصعق أقدام الفئران عند ظهور نغمة معيّنة، ومع تكرر هذا الحدث ربطت الفئران بين الحدثين فأصبحت تظهر رد الفعل (التوقف والخوف من المشي تجنباً للصعق) عند سماع المنبه المرافق (النغمة التي إطلاقها) بهذا نكون قد شكلنا ذاكرةً ورد فعلٍ عند هذه الفئران.

الآن تبدأ محاولة العلماء في نزع الخوف، التجربة الأليمة، عن هذه الحيوانات المسكينة. بعد تعريض الفئران للنغمة ذاتها بشكلٍ أكبر، دون صعق، بدأت الفئران تدرك هذا الشيء، وربطت وجود بيئة آمنة بهذه النغمة المعينة، ومن ثم عادت للمشي بشكلٍ طبيعي.

يمكننا ملاحظة المشكلة هنا، فالحل يعمل على الذكريات "المُشكلة" حديثاً فقط.

القدرة على تعديل الذكريات، كلها تكمن في خاصية الدماغ التي تسمى المرونة العصبية، أو "plasticity"، فهو قادر على تغيير الاتصالات المشبكية بين الخلايا العصبية المختلفة، لتقوية ذكريات معينة أو إضعاف والتخلي عن أخرى. تستطيع العصبونات (الخلايا العصبية) أنّ تعيد ترتيب الصلات العصبية بين المحاور والاستطالات الخاصة بها، لتسمح بتسجيل ذكريات جديدة، هذه الخاصية بحد ذاتها هي الخاصية التي تسمح لنا بالتعامل مع الواقع بشكل مباشر .

اللوزة في دماغك

اللوزة الدماغية المصدر: ويكيبديا
اللوزة الدماغية المصدر: ويكيبديا

في الدماغ منطقة معيّنة، تُسمى اللوزة الدماغية أو Amygdala، وفيها حسب اعتقاد العلماء، تتخزن أكثر المشاعر والذكريات المتعلقة بها، من خوف وعاطفة وغيرها. وحسب أبحاث سابقة، فإنّ زيادة الأستيل كولين (ناقل عصبي) في هذه المنطقة يؤدي لزيادة وتقوية الذاكرة في لوزتك الدماغية.

استخدم الباحثون طريقةً تسمى علم الجينات الضوئي Opto-genetics، حيث يقوم العلماء بالتحكم بالخلايا في النسيج الحي بواسطة الضوء لحث خلايا معينة على إفراز كميات معينة من الأستيل كولين.

عند زيادة تحرير الأستيل كولين في اللوزة الدماغية أثناء تشكل الذاكرة السيئة، ازدادت قوة الذاكرة في الخلايا وبقيت موجودة ضعف المدة الطبيعية، وعندما قاموا بعكس العملية، وفي النهاية استطاعوا حذف الذاكرة التي تسببت بالخوف.

وبواسطة التلاعب بالأستيل كولين، نتج لدى العلماء صدفةً فئران لا تعرف الخوف، وهذا يبشر بالخير في حل معضلة اضطراب ما بعد الصدمة يوماً ما. لكن للأسف فالأستيل كولين مهم بشكلٍ كبير في تشكيل الذكريات في دماغنا، بل ومهم في كثير من العمليات الأخرى، لذلك أوصى الفريق البحثي بمزيد من الأبحاث للوصول إلى طريقة غير دوائية للتأثير على الذكريات بشكل دقيق.