عواقب مهملَة

قرابة عام 1960، ولد عشرات الآلاف الأطفال بتشوهات في الأطراف، وفي بعض الحالات، خلل في العينين أو الأذنين أو أعضاء أخرى. ضربت هذه المأساة التي لم يسبق لها مثيل عائلات من ألمانيا واليابان وإنجلترا وأكثر من 40 دولة أخرى - لكن ليس الولايات المتحدة.

كان سبب هذه العيوب الخلقية دواء مهدئ جديد يدعى ثاليدوميد، حصل على رخصة في هذه البلدان لعلاج الغثيان الصباحي المرافق للحمل. كانت الدراسات التي أجريت على هذا الدواء قبل ترخيصه محدودة النطاق، ولم تكشف عن آثاره الجانبية المدمرة. وأُخرج بسرعة من السوق، لكن الضرر قد حدث بالفعل لكثير من الأطفال الذين أصيبوا بعيوب خلقية أو توفوا مبكرًا بسببه.

امرأة توقف انتشار وباء وتنقذ حياة الملايين

فلماذا لم يتم ترخيص ثاليدوميد في الولايات المتحدة؟ يرجع ذلك إلى حد كبير إلى امرأة واحدة هي فرانسيس أولدهام كيلسي. عينت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (إف دي أي) كيلسي لمراجعة طلبات شركات الأدوية للحصول على تراخيص لبيع الأدوية الجديدة. وكانت كيلسي قد أثبتت أنها خبيرة وبارعة. فأثناء حصولها على شهادة الدكتوراه في علم الأدوية، ساعدت إدارة الغذاء والدواء على تحديد عنصر سَمّي في دواء آخر اسمه إكسير سولفانيلاميد.

سوّق الدواء بناءً على ادعاءات بأنه يستطيع علاج أي مرض من السيلان إلى التهاب الحلق. ومع ذلك، كان الدواء مرًّا جدًا وكان صناعه يحاولون العثور على مذيبات محلية لجعله مستساغًا. اكتشفت كيلسي أن المحلي الذي اعتمدوه كان مانع تجمد. لكن الدواء كان قد تسبب بمقتل أكثر من 100 شخص قبل أن تسحبه إدارة الغذاء والدواء من السوق.

معايير مرتفعة

لاحظت كيلسي وجود ثغرات في البيانات التي ادعت أن ثاليدوميد كان آمنًا وفعالًا، فرفضت الطلب. وبعد النتائج الكارثية لتسويق دواء ثاليدوميد في أوروبا، اعتُبرت كيلسي بطلة ولعبت دورًا أساسيًا في تشكيل تعديل هاريس كيفوفير لإدارة الغذاء والدواء في عام 1962، الأمر الذي رفع من المعايير الواجب أن يحققها الدواء قبل أن يتم تسويقه.

كانت كوارث الطب الحديث هذه بعضًا من الأحداث التي ولدت إدارة الغذاء والدواء الحالية، وهي إدارة صارمة جدًا، قد يقول البعض أن هذا مبالغٌ فيه. وتواصل الوكالة التمسك بمسؤوليتها في حماية المرضى من الأدوية الخطرة أو الغير فعالة، والتزامها بالسماح للناس باتخاذ قرارات الرعاية الصحية الخاصة بهم.

وعلى الرغم من أنه يمكن إثبات صحة كلا طرفي هذه القضية، لكننا نواصل اكتشاف العيوب في عملية ترخيص الأدوية الحالية. ووجدت دراسة حديثة أنه تم اكتشاف مخاطر جديدة لثلث الأدوية بعد ترخيصها من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وهذا يسلط الضوء على أهمية الرصد الذي تقوم به إدارة الغذاء والدواء بعد تسويق الأدوية، لكنه يشير أيضًا إلى إمكانية إجراء المزيد من الاختبارات خلال عملية الترخيص.

وفي نهاية المطاف، يمكن تحسين سرعة إجراءات اختبار الأدوية ودقتها وفعاليتها وتكلفتها من خلال أدوات أفضل لنمذجة آلية عمل الأدوية في أجسامنا. حتى وقت قريب، اعتمدنا بشكل كبير على التجارب على الحيوانات - وهذا لا يثير مخاوف أخلاقية فحسب، بل تبين أيضًا أنه لا يتنبأ دائمًا بكيفية عمل الأدوية في الجسم البشري. تحاول ال إف دي أي الآن استخدام أعضاء على رقاقات كوسيلة لتحل محل بعض التجارب على الحيوانات، ويمكن توسيع استخدام هذه التقنية كي تنتج بيانات جيدة.

في حين أن بعض الناس يستاؤون من بطء ال إف دي أي في الموافقة على الأدوية الجديدة، إلا أن إدارة الغذاء والدواء هي القادرة على الحفاظ على وتيرة شركات تنظيم الأدوية الأخرى مع ضمان كون الأدوية الجديدة آمنة وفعالة. يوجد دائمًا مجال للتحسن، ولكن يجب علينا جميعًا أن نكون شاكرين للباحثين الرواد مثل كيلسي التي دعمت المرضى وأنقذت حياة عديد من الناس أثناء العملية.