استطاع برنامج مُطَوَّر في معهد كالتيك توقع سلوك الجراثيم من خلال قراءة محتوى الجينات فيها لأوَّل مرة عبر خوارزميات تعلُّم الآلة. وقد يساعد هذا الإنجاز العلمي على فهم العمليات الكيميائية في الجراثيم وعلى تطوير أدوية جديدة لمكافحتها.

يركِّز علم الأدوية الحديث على تطوير أدوية تستهدف بروتينات معيَّنة في أغشية خلايا الجسم. وتُسمَّى هذه البروتينات «بروتينات الغشاء المدمجة،» وتمثِّل بوَّابات تتيح للمواد الدخول والخروج من الخلايا. ومن هذه البروتينات المدمجة: المستقبلات المقترنة بالبروتين جي التي تنقل إلى الخلية معلومات عن الوسط المحيط بها، وأقنية الشوارد التي تتحكَّم بالوسط الداخلي للخلية باختيار الشوارد التي تعبر الغشاء إلى داخل الخلية وخارجها. تمثِّل المستقبلات المقترنة بالبروتين جي هدفًا لأكثر من 50% من الأدوية الموجودة في السوق، لكنَّ أنواعًا عديدةً منها ليست مفهومةً تمامًا حتَّى الآن.

وقال بيل كليمونز أستاذ الكيمياء الحيوية في معهد كالتيك «هذه جزيئات مهمَّة جدًّا تنتجها أجسامنا وما زلنا لا نعلم عنها إلا القليل.»

بحسب موقع نكست أبزرفر، يحتاج الباحثون إلى إنتاج كمِّيَّات كبيرة من المستقبلات المقترنة بالبروتين جي لدراستها جيِّدًا وفهمها. ويتحقَّق ذلك غالبًا بإدراج السلسلة الجينية لهذه البروتينات داخل جراثيم معيَّنة، ما يسهم في إنتاج كمِّيَّة كبيرة من البروتينات المرغوبة من خلال نموُّ الجراثيم وتكاثرها. لا تؤدِّي كلُّ الجراثيم هذا الغرض، ولا يوجد سوى بضعة أنواع جرثومية تفيد في إنتاج البروتينات بكمِّيَّات كافية. ولا توجد حتَّى الآن طريقة تخبر الباحثين إن كانت الجراثيم التي يستخدمونها ستنجح في إنتاج البروتينات في النهاية.

ونقل موقع نكست أوبزرفر عن كليمونز قوله «إن أهمّ معقيات دراسة البروتينات الغشائية العجز عن إنتاجها بكمِّيَّات كافية. ونضطرُّ إلى استخدام الجراثيم لصناعتها لكنَّها ليست وسيلة مضمونةً دائمًا، إذ لا يتجاوز معدَّل نجاحها 10%.»

تستهلك المحاولات المتكرِّرة للحصول على البروتينات من خلال الجراثيم جهدًا وموارد عديدة. لذا بحث كليمونز عن طريقة تمكِّن الحواسيب من توقع سلوك الجراثيم وتفاعلاتها عندما تُستخدَم لصناعة بروتينات لا تنتجها عادةً. وقال «افترضنا أنَّ الخلايا الجرثومية تجري تحليلًا كمِّيًّا للحمض النووي منقوص الأكسجين [الدنا] كي تحدِّد كمِّيَّة البروتين التي ستنتجها. وأردنا معرفة إذا كان ممكِنًا برمجة أدوات حاسوبية تزيد معدَّل نجاح إيجاد الجراثيم المناسبة لإنتاج البروتينات بكمِّيَّات تكفينا لدراستها.»

صمَّم كليمونز وتلميذه شيام سلدي أداةً تعتمد على تقنية تعلُّم الآلة لمقارنة الدنا الجرثومي ببيانات تخبرهم بكمِّية البروتين التي ستنتجها الجراثيم. واستعان الباحثان بقاعدة بيانات لتعليم برنامج تعلُّم الآلة «إمبروف» لفحص زرعات جرثومية عديدةً ودراسة أدائها في البروتينات الغشائية المرغوبة. درَّب الباحثون برنامج إمبروف من خلال تقييم نتائج فحص الزرعات والسلاسل الجينية التي تعتمد عليها الجراثيم لإنتاج البروتينات، وذلك لمعرفة تسلسل الدنا الذي يسهم في إنتاج أكبر كمِّية من البروتين.

وبعد تدريب البرنامج، وجد الباحثون أنَّه توقع سلوك الجراثيم بدقَّة ساهمت في مضاعفة معدَّل نجاح اختيار الجراثيم المناسبة لإنتاج البروتينات الغشائية المدمجة بكمِّيَّات كبيرة.

وقال كليمونز «فاجأتنا النتائج لأنَّنا لم نكن واثقين من نجاح هذه المقاربة. إنَّ تفاعلات الخلايا معقَّدة جدًّا، وكنَّا نطرح سؤالًا إحصائيًّا تجريديًّا للتنبُّؤ بسلوك الخلية. لذلك صُدِمنا بالنتائج.»

وأضاف كليمونز أنَّ هذه النتائج منطقيَّة نسبيًا وقال «تعزِّز هذه النتائج فكرة أنَّ الخلايا تعمل كآلات حاسبة، فهي تؤدِّي مهامَّها بحساب الأشياء.»

ونُشِرت الدراسة بعنوان «نموذج إحصائي لتحسين إنتاج البروتينات الغشائية باستخدام خصائص جينية،» في 30 مارس/آذار في مجلَّة بيولوجكال كيمستري.