الأجرام القريبة من الأرض

يُوجَد ضِمن حدود المدار الأرضيّ آلاف «الأجرام القريبة من الأرض،» منها أكثر من 14 ألف كُوَيْكب يَمُر على مقربة من الأرض بصورة دورية؛ ومنذ الثمانينيَّات زاد اهتمام الفلكيين بتلك الأجرام لخَطَرها الذي يُهدِّد البشرية أحيانًا، لكن يبدو من الدراسات الجارية ومن تتبُّع أكبر الكويكبات على مر عقود أنها عادةً ما تَمُر بالأرض من غير مَساس.

والأهم من هذا أن اقترابها من الأرض إلى حد الاصطدام أمر شديد النُّدرة (أي تَمُر ملايين الأعوام قبل أن يحدث)؛ فمثلًا سيَمُر بالأرض في اليوم الأول من سبتمبر/أيلول كويكب من الكويكبات القريبة من الأرض اسمه «3122 فلورنس،» لكنْ ليس في اقترابه تهديد بالاصطدام بِنا؛ بل في اقترابه خير، لأنه مِن أكبر ما اكتُشِف من الكويكبات القريبة من الأرض، إذ يبلغ قُطره 4.4 كم!

ولتوضيح مدى كُبْره، يكفي ذِكر أن قطر الكويكب الذي أدى إلى انقراض الديناصورات منذ نحو 65 مليون عام (وهو ما يُعرَف بانقراض العصر الطباشيري-الثلاثي) يُقدَّر بنحو 10 كم فقط، وأنَّ صدْمته دمَّرتْ ثلاثة أرباع الأنواع النباتية والحيوانية التي كانت على الكوكب، ولهذا تنال الأجرام الكبيرة جُلّ اهتمام مَرْكز دراسات الأجرام القريبة من الأرض التابع لوكالة ناسا وما شابهه من المؤسسات.

في اليوم الأول من سبتمبر/أيلول سيَمُر كويكب «فلورنس» -أحد الكويكبات القريبة من الأرض- على مسافة 7 ملايين كم من الأرض. مصدر الصورة: NASA/JPL-Caltech
في اليوم الأول من سبتمبر/أيلول سيَمُر كويكب «فلورنس» -أحد الكويكبات القريبة من الأرض- على مسافة 7 ملايين كم من الأرض. مصدر الصورة: NASA/JPL-Caltech

أكدت ناسا أن ذلك الكويكب سيَمُر بالأرض من غير أي خطر يُذكَر، إذ ستكون المسافة بينهما أكثر من سبعة ملايين كم، أي المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر مضروبة في 18. وأضاف بول تشوداس، مدير مكتب «مَرْكز دراسات الأجرام القريبة من الأرض» لدى مختبر «الدفع النفاث» في باسادينا في ولاية كاليفورنيا، في بيان ناسا الصفحيّ:

مرّ بالأرض كثير من الكويكبات المشهورة على مسافة أقل من المسافة التي ستكون بين الأرض وفلورنس في 1 سبتمبر/أيلول، لكنها كانت كويكبات أصغر من فلورنس، فهذا الأخير هو أكبر الكويكبات التي تَمُر بكوكبنا منذ بدْء برنامج ناسا المَعنيّ بِرَصد الكويكبات القريبة من الأرض وتتبُّعها.

لن يكون في اقترابه خطر إذن، بل فرصة لأنْ يَدرُسه العلماء من كَثَب؛ ولهذا تُخطط ناسا دراسة «فلورنس» دراسة رادارية بواسطة «رادار جولدستون» المُقام في كاليفورنيا، و«مرصد أريسيبو» التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم في بورتو ريكو، ومن المتوقع أن يَنتُج عن هذه الدراسات بيانات دقيقة تُحدِّد حجمه وتَكشِف تفاصيل سطحه بدقة تَصِل إلى 10 أمتار.

فلورنس

اكتُشف هذا الكويكب في 2 مارس/آذار على يد الفلكيّ الأمريكيّ «شيلتِه باص» في مرصد «سايدنج سبرينج» لدى جنوب غرب أستراليا، وسُمِّي على اسم مؤسس التمريض الحديث «فلورنس نايتِنجال» (1820-1910) تكريمًا له؛ أما تقديرات حجمه الحاليّة -كَقُطره البالغ نحو 4.4 كم- فمَبنية على القياسات التي حصلت عليها ناسا بتليسكوب «سبيتزر» الفضائي وفي أثناء مهمة «نِيُوَايِز.»

تصوير فنِّيّ للمسافة التي ستكون بين فلورنس والأرض. مصدر الصورة: NASA/JPL-Caltech
تصوير فنِّيّ للمسافة التي ستكون بين فلورنس والأرض. مصدر الصورة: NASA/JPL-Caltech

يُعتبَر المرور القادم أقرب مرور لهذا الكويكب منذ 31 أغسطس/آب من العام 1890، حين مَر على مسافة 6.7 ملايين كم من الأرض، وبعدئذٍ مَرّ بالأرض في 29 أغسطس/آب من العام 1930 على مسافة 7.8 ملايين كم؛ وسيَمُر كذلك سبع مرات أخرى على مدار الأعوام الخَمْس مئة القادمة، لكن لن يقترب من الأرض كقُربه في سبتمبر/أيلول القادم إلا بعد 2500 عام.

سيصبح «فلورنس» ساطعًا وقَّادًا في ليالي أواخر أغسطس/آب وأوائل سبتمبر/أيلول، وستَتَسنَّى رؤية لِمَن يرغب ذلك إذا نظر في تليسكوب صغير لعدة ليالٍ في أثناء مرور الكويكب عبر كَوْكَبات: الحوت الجنوبيّ، والجَدْي، والدَّلو، والدُّلفين.

طالع هذه الرسومات المتحركة لمدار فلورنس ومروره على مقربة من الأرض:

https://echo.jpl.nasa.gov/asteroids/Florence/Florence_orbit.mov

https://echo.jpl.nasa.gov/asteroids/Florence/Florence_Earth_flyby.mov